هذه الأيام، ومع دخول موسم الصيف الذي يُعد من أهم المواسم الزراعية في بلادنا، تتجدد حقيقة لا تقبل الجدل: الزراعة ليست حظًا، بل وعيٌ واستعدادٌ مبكر. ومع ذلك، لا يزال البعض يكرر ذات الأخطاء، ويعيد إنتاج الفشل في كل موسم، رغم كثرة التوجيهات والتحذيرات.
الحقيقة الواضحة أن من سيتعب هذا الموسم ليس كل المزارعين، بل المزارع الكسلان فقط… ذلك الذي لا يخطط، ولا يستعد، ويظل معتمدًا على غيره في أبسط أساسيات الزراعة، مثل البذور الصالحة.
لقد تحدثنا كثيرًا، وكتبنا كثيرًا، ونبهنا مرارًا وتكرارًا إلى أهمية أن يقوم كل مزارع باختيار بذوره بعناية من محصوله، وأن يعمل على تخزينها بطريقة صحيحة وآمنة لتكون جاهزة مع أول بشائر السيول. هذه الطريقة هي أساس النجاح الزراعي، وضمان الاستقلال عن تقلبات السوق واستغلال التجار.
لكن، وللأسف، هناك من لا يسمع… وكأننا نغني بجانب أصم!
مزارع لا يفكر إلا في لحظة الحصاد، ويعتبر يوم بيع محصوله عيدًا، فيندفع لبيع كل ما لديه مباشرة إلى السوق، وغالبًا بنصف القيمة الحقيقية، دون أي حساب للمستقبل.
ثم ماذا بعد؟ بعد أيام قليلة، ومع اقتراب موسم الزراعة، يبدأ نفس المزارع رحلة المعاناة، فيبحث عن البذور التي كان يمتلكها بالأمس، ليجد نفسه مضطرًا لشرائها بأسعار مضاعفة، وقد لا تكون بالجودة نفسها!
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة:
يبيع بثمن بخس… ويشتري بثمن غالٍ!
يُفرّط في قوته بيده، ثم يندم حين لا ينفع الندم.
إن هذه الممارسات لا تعكس فقط ضعف التخطيط، بل تكشف عن غياب ثقافة زراعية أساسية عنوانها إدارة الموارد الذاتية. فالمزارع الواعي لا يستهلك كل ما ينتج، ولا يبيع كل ما يحصد، بل يحتفظ بجزء استراتيجي يضمن له استمرارية الإنتاج واستقلال قراره.
إن الزراعة الناجحة تبدأ من البذرة…
والبذرة تبدأ من وعي المزارع.
ولذلك، فإننا نجدد الدعوة لكل مزارع:
لا تفرّط في بذورك.
لا تجعل السوق يتحكم فيك.
لا تنتظر غيرك ليقرر مصيرك.
خطط، وخزّن، واستعد من الآن.
فمن لا يزرع وعيه اليوم… سيحصد تعبه غدًا.
رسالتي لجميع المزارعين:
اختر بذورك بنفسك ومن أرضك، واحتفظ دائمًا بجزء من محصولك كبذور للموسم القادم، وخزّنها بطريقة صحيحة… فالبذرة التي تملكها اليوم هي أمانك وغدك الزراعي.
عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين – 30 مارس 2026