في اليمن، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، لا تبدو الأزمات وليدة اللحظة، ولا هي عصيّة على الحل كما يظن البعض، بل هي في جوهرها نتيجة مباشرة لتعطيل القوانين، وإهمال اللوائح، وغياب الإرادة في تطبيق النظام. فالمشكلة ليست في نقص التشريعات، بل في حبسها داخل أدراج المكاتب، بينما تُترك الساحة مفتوحة لقوانين الفوضى والعبث واللامبالاة.
لقد أُقِرّت، على مدى عقود، منظومات قانونية وتنظيمية متكاملة، تغطي مختلف القطاعات، من الزراعة إلى البيئة، ومن إدارة المياه إلى حماية الموارد الطبيعية. غير أن هذه القوانين، ومع الأسف، تحولت إلى نصوص صامتة، لا تُفعَّل، ولا تُحترم، ولا يُحاسَب من يخالفها. وهنا تبدأ القصة الحقيقية لمعاناة المجتمع.
خذ، على سبيل المثال، ما يحدث في قنوات الري ومجاري السيول؛ حيث تحولت، في بعض المناطق، إلى مكبات للنفايات ومصبات لمياه الصرف الصحي، في مشهد يجسد قمة العبث والاستهتار بالصحة العامة والبيئة الزراعية. هذه الممارسات لا تضر فقط بصحة الإنسان وجودة المياه، بل تُهدد التربة والمحاصيل، وتنعكس سلباً على الأمن الغذائي. ومع ذلك، فإن معالجتها ليست مستحيلة، بل يمكن الحد منها بإجراءات بسيطة تبدأ بتفعيل القوانين، وتمر عبر الرقابة الميدانية، ولا تنتهي عند استخدام وسائل حديثة، كتركيب كاميرات مراقبة في مواقع المخالفات، لضبط كل من تسول له نفسه العبث بهذه المنشآت الحيوية.
أما قضية الري، فهي نموذج صارخ آخر؛ فهناك لوائح تنظيمية دقيقة وُضعت لتوزيع المياه بعدالة، وتنظيم استخدام السيول، وضمان وصولها إلى أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الزراعية، وتنظيم كل صغيرة وكبيرة في هذا المجال. ولو تم تطبيق هذه اللوائح بصرامة، لتمكنا من ري ما يزيد على 80% من مساحة الدلتا، ولانتهت معظم النزاعات والشكاوى المرتبطة بالمياه. لكن، في ظل غياب التنفيذ، تحولت المياه إلى مصدر صراع بدلاً من أن تكون أساساً للحياة.
ومن المؤلم أيضاً ما يتعرض له الغطاء النباتي من تدمير ممنهج؛ حيث تُقطع الأشجار المحلية مثل السمر والسدر والمريمرة، وتُنقل كحطب إلى عدن وبعض المناطق الأخرى، على مرأى ومسمع من الجهات المعنية، دون أي تدخل يُذكر. هذه الأشجار ليست مجرد نباتات، بل تمثل ركيزة بيئية واقتصادية، تسهم في تثبيت التربة، ومقاومة التصحر، ودعم التنوع الحيوي. واستمرار استنزافها بهذا الشكل ينذر بكارثة بيئية حقيقية.
أمام هذا الواقع، يصبح من الضروري التفكير في حلول عملية، لا الاكتفاء بالشعارات. ومن بين هذه الحلول إنشاء شرطة متخصصة للبيئة والري، ولو بشكل مؤقت، تكون مهمتها فرض النظام، وحماية الموارد، ومراقبة المخالفات، حتى يعتاد المجتمع على الالتزام بالقانون. فالتجارب العالمية أثبتت أن وجود جهة رقابية فاعلة، مدعومة بصلاحيات واضحة، يمكن أن يُحدث تحولاً كبيراً في سلوك الأفراد والمؤسسات.
إن إعادة الاعتبار للقوانين ضرورة وطنية؛ فلا تنمية بدون نظام، ولا استقرار بدون عدالة، ولا مستقبل بدون حماية للموارد. وإذا لم نُخرج القوانين من الأدراج إلى أرض الواقع، سنظل ندور في حلقة مفرغة من المشكلات التي نعرف أسبابها جيداً، لكننا نتجاهل حلولها عمداً أو عجزاً.
م/ عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
25 مارس 2026م