بلادي وإن جارَت عليَّ عزيزةٌ
… وأبين عزيزةٌ بأهلها جميعًا.
ولكن…!
ستبقى أبين عرجاء، وربما حولاء، إن لم يكن قد أصابها الجهر، ما دامت تُدار بعقلية: هذا حقي، وهذه منطقتي، وهذا صاحبي، وهذا قريبي، وهذا عضو في حزبي؛ وكأنها إرثٌ خاص أو غنيمة تُوزَّع بين مكوّنات أو أحزاب أو قبائل أو مناطق بعينها.
هذه النظرة الضيقة ليست مجرد خطأ عابر، بل هي أصل الداء الذي يعطل تعافي المحافظة ويمنعها من النهوض، رغم ما تمتلكه من إمكانات بشرية وزراعية وتاريخية كبيرة.
إن أخطر ما تواجهه أبين اليوم ليس الفقر أو شُحَّ الموارد، بل احتكار القرار والإقصاء الممنهج للكفاءات. فحين يُهمَّش رجال الميدان، ويُستبدل أصحاب الخبرة بأصحاب الولاءات، فإن النتيجة الطبيعية هي التراجع، مهما توفرت الإمكانيات.
فلو أجرينا عملية حسابية بسيطة، وعددنا الورش التي أُقيمت في المحافظة أو خارجها باسم أبين ومشاريعها، لوجدنا أن الحاضرين فيها هم نفس الوجوه، ونفس الأحزاب، ونفس الوجاهات، ونفس الأسماء.
إلى هنا قد يبدو الأمر عاديًا ولا مشكلة فيه، لكن عندما تبحث عن مخرجات هذه الورش تجدها مجرد حبر على ورق، وربما كانت الأحرف المكتوبة فيها بلا نقاط… ومشفَّرة!
يا عالم… يا ناس… يا هوه…
إن التنمية لا تُبنى بالمحسوبية ولا بالأنانية، بل تُبنى بالعلم والخبرة والعمل الصادق.
أبين اليوم بحاجة إلى طبيب حقيقي يفهم تعقيدات حالتها؛ تحتاج إلى تشخيص دقيق يحدد مكامن الخلل بوضوح، ثم يضع وصفة علاجية قائمة على الكفاءة والعدالة، لا على الانتماءات الضيقة. فلا يمكن معالجة واقع مختل بنفس الأدوات التي صنعته.
كما أن أبين بحاجة إلى مسحٍ ميداني شامل يعيد ترتيب المشهد:
من هو السياسي الحقيقي؟
من هو السلطان، ومن هو الشيخ؟
من هو الخبير؟
من هو المهندس؟
من هو الفني؟
ومن هو المتسلق الذي يتصدر المشهد دون وجه حق؟
هذا التمييز ضرورة؛ لأنه يعيد الاعتبار لأصحاب الاختصاص، ويكشف من يعيق التنمية تحت غطاء النفوذ أو القوة.
إن وصف أبين بأنها بلاد الحاس والحسحاس أو بلاد الإقصاء ليس مجرد تعبير عاطفي، بل انعكاس لواقع يعيشه كثير من أبنائها، خاصة أولئك الذين يشعرون أنهم غرباء في أرضهم، أو ضيوف ثقال كما يصفهم البعض. وهذا الشعور، إن استمر، سيقود إلى مزيد من التصدع الاجتماعي وفقدان الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
فمثلًا:
أنا في أبين يافعي،
وفي يافع أبيني،
وفي عدن قرد،
وفي تعز جنوبي،
وفي صنعاء يمني…
والحليم تكفيه الإشارة.
فهل من يفك طلاسم هذه الشفرة؟
لكن، ورغم هذا الواقع، فإن النقد هنا ليس للتجريح أو الهدم، بل دعوة صادقة للمراجعة والتصحيح. فأبين لا يمكن أن تكون حكرًا لأحد؛ لأنها ببساطة تتسع للجميع، ولن تتعافى إلا حين يشعر كل أبنائها أنهم شركاء حقيقيون في بنائها، لا مجرد متفرجين أو مهمشين.
إن الطريق إلى التعافي يبدأ بالاعتراف بالخطأ، ثم العمل على تصحيحه عبر:
إرساء مبدأ العدالة في توزيع الفرص.
تمكين الكفاءات الحقيقية.
إنهاء ثقافة الإقصاء.
بناء مؤسسات تقوم على الشفافية والمساءلة.
خذ نفسًا عميقًا أخي العزيز، وافهم كلامي جيدًا…
فالأرض الزراعية لا تعطي أفضل إنتاجها إلا إذا وُزِّعت مياه الري والأسمدة والمخصبات بعدل بين الحقول، وهذا ينطبق على الوطن الحبيب؛ فلا يمكن أن ينهض إلا إذا وُزِّعت الفرص بعدل بين أبنائه.
فلنكن دائمًا صوتًا للعدل…
فبه تحيا الأرض والإنسان.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
17 مارس 2026م