تُعد زراعة النخيل واحدة من أعرق الأنشطة الزراعية في اليمن، وقد شكّلت عبر قرون طويلة ركيزة أساسية للحياة الاقتصادية والغذائية في العديد من الأودية والمناطق الزراعية، وفي مقدمتها وادي حضرموت الذي عُرف تاريخيًا بوفرة نخيله وتنوع أصنافه المحلية، حيث يضم ما بين 35 إلى 40 صنفًا من التمور ذات الخصائص المختلفة.
تجربة زراعية واعدة في وادي حضرموت
من أبرز هذه المبادرات تجربة المزارع الحضرمي هود عاشور، التي لفتت اهتمام العديد من المهتمين بالشأن الزراعي بعد نشره مقطعًا مرئيًا يشرح فيه تفاصيل مشروعه الزراعي. وتتمثل هذه التجربة في إنشاء مشتل يضم مئات الشتلات من النخيل الناتجة عن بذور أصناف تمور عالمية، في محاولة لإنتاج جيل جديد من النخيل قد يحمل صفات وراثية متميزة، وقادرًا على التكيف مع البيئة المحلية في حضرموت.
ومن بين الأصناف التي استُلهمت منها هذه التجربة صنف التمر العالمي دقلة نور، الذي يُعد من أشهر أصناف التمور في العالم، وتشتهر بزراعته دول مثل تونس والجزائر، إضافة إلى بعض مناطق كاليفورنيا في الولايات المتحدة.
وتستند هذه التجربة إلى مبدأ علمي معروف في تربية النخيل، حيث إن النخيل الناتج عن البذور يعطي صفات وراثية متباينة، ما يتيح فرصة اكتشاف نخلة جديدة تحمل خصائص إنتاجية وجودة عالية، يمكن لاحقًا إكثارها خضريًا ونشرها على نطاق واسع.
امتداد لخبرات زراعية محلية
ولا تأتي تجربة المزارع هود عاشور من فراغ، بل تمتد جذورها إلى خبرات زراعية محلية متراكمة؛ إذ يُذكر أنه صهر المزارع الذي ابتكر صنف البصل الشهير بصل بافطيم، وهو صنف محلي اكتسب شهرة واسعة بفضل إنتاجيته العالية وجودته المتميزة. وهذا يعكس أن الابتكار الزراعي في اليمن غالبًا ما يبدأ من المزارع نفسه، الذي يراكم الخبرة الميدانية ويحوّلها إلى تجربة ناجحة يمكن أن يستفيد منها الآخرون.
اهتمام وتقدير لهذه التجربة
ومن خلال متابعتي الشخصية لمقطع الفيديو الذي عرض فيه المزارع هود عاشور تفاصيل تجربته في إنشاء مشتل النخيل ومراحل متابعته لنمو الشتلات، أستطيع القول إن مثل هذه المبادرات تمثل ثروة حقيقية للقطاع الزراعي في اليمن. فهذا المزارع، في تقديري، يمثل قيمة زراعية يجب الحفاظ عليها وتشجيعها وتكريمها، لأن التجارب الفردية المبدعة كثيرًا ما تكون الشرارة الأولى لمشروعات تنموية كبيرة.
مقترح لزيارة علمية ميدانية
وانطلاقًا من أهمية هذه التجربة، أقترح على وزارة الزراعة والري والثروة السمكية اليمنية، وكذلك الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي، دعم هذه المبادرة من خلال تنظيم زيارة ميدانية علمية إلى وادي حضرموت للاطلاع على التجربة عن قرب وتقييم نتائجها علميًا. ويمكن أن تضم هذه الزيارة عددًا من المختصين والباحثين الزراعيين، بحيث تشمل مختصين من أبحاث الكود، وأبحاث سيئون، والإرشاد الزراعي، ووقاية النبات، لتقييم هذه المبادرة علميًا.
مبادرة الدكتور عزام الصبيحي لإحياء أشجار النخيل في طور الباحة
بعد سنوات شهدت فيها منطقة الصبيحة، وتحديدًا طور الباحة، تراجعًا كبيرًا في أشجار النخيل، حيث أطبقت موجات الجفاف المتلاحقة خناقها عليها، وتسبب تعطل قنوات السيول لفترات طويلة في اندثار مساحات خضراء شاسعة، لم يقف الدكتور عزام أحمد محمد الصبيحي مكتوف الأيدي أمام هذا الانهيار البيئي والزراعي.
وباعتباره متخصصًا في المختبرات، ولم يكن يومًا بعيدًا عن البحث العلمي، أطلق الدكتور عزام مبادرته الشخصية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، واضعًا نصب عينيه منع الانقراض الكلي للنخيل في المنطقة عبر العودة إلى الجذور من خلال زراعة النوى، مع انتخاب أرقى الأصناف العربية المشهورة لضمان جودة المخرجات.
ولأن الزراعة من النوى تحمل تحديًا بيولوجيًا يتمثل في إنتاج نسبة 50% من الذكور، فقد استعان الدكتور عزام بسلاح البحث العلمي الحديث؛ حيث يطبق تقنية التمييز بين جنس النخيل البذري في مراحل مبكرة جدًا تبدأ من الأسبوع الأول للزراعة، وهي التقنية المبتكرة التي قدمها البروفيسور العراقي عماد ناجي الهاشمي. ويضمن هذا الابتكار الحصول على نخيل مثمر بنسبة عالية جدًا، مع انتقاء العدد الدقيق واللازم فقط من الفحول لعملية التلقيح، مختصرًا بذلك سنوات من الانتظار والجهد الضائع.
ولتحقيق أقصى استفادة واستدامة للمشروع، يتم توزيع شتلات النخيل المنتجة ضمن المبادرة على المزارعين في المنطقة، لا سيما أولئك الذين يملكون آبارًا خاصة، لضمان استمرارية الرعاية والري بعيدًا عن تقلبات مياه السيول.
إن الهدف من هذه المبادرة يتجاوز مجرد التعويض العددي، بل يطمح الدكتور عزام إلى استنباط أصناف وسلالات جديدة تمتلك القدرة على منافسة الأصناف العالمية، وتتميز بمقاومة فطرية للأمراض والآفات.
ومع التقدم في زراعة الأنسجة، يخطط الدكتور مستقبلًا لنقل هذه السلالات المتميزة إلى المختبرات المتخصصة لإكثارها وتعميمها. ويبرز ضمن أمنياته الكبرى أن يكون لدينا في الوطن مختبر زراعي وطني لزراعة الأنسجة، ليكون صرحًا علميًا يسهم في توطين هذه التقنية المتقدمة، لتعود المبادرة بالخير والبركة كرافد أساسي للأمن الغذائي الوطني وسلاح فعال في مواجهة التغير المناخي.
م/ عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين