آخر تحديث :السبت-14 مارس 2026-05:02ص
أخبار وتقارير


حكاية من الزمن الجميل

حكاية من الزمن الجميل
الجمعة - 13 مارس 2026 - 11:02 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

كان يا ما كان… في قديم الزمان، حين كانت القلوب عامرة بالمحبة، وكانت القرية بيتًا واحدًا يجمع الجميع. لم تكن الحياة سهلة كما نراها اليوم، لكنها كانت مليئة بالدفء الإنساني وروح التعاون التي لا تُشترى بالمال.

في كثير من مناطق اليمن عامة، وفي أبين خاصة، عندما يقرر أحدهم بناء منزل، لم يكن يبحث عن شركات مقاولات أو عمّال بالأجرة كما يحدث اليوم. كل ما عليه أن يحدد يومًا للعمل ويخبر الناس، وما إن يصل الخبر حتى تتحرك القرية كلها فيما يُعرف عندنا بـ الفزعة.

مع شروق الشمس يتوافد الرجال من كل ناحية؛

هذا يحمل الحجارة، وذاك يجلب الطين، وآخر يأتي بالأخشاب، وبعضهم ينقل الماء أو يخلط الطين. تتعالى أصوات الرجال بالنداء والضحك، والكل يعمل بحماس وكأنهم يبنون بيتًا لهم جميعًا.

وفي يوم أو يومين، وربما أكثر قليلًا، يبدأ جدار البيت في الارتفاع حجرًا فوق حجر، وقلوب الناس متآلفة. لا يسأل أحد: كم الأجر؟ ولا ما المقابل؟ لأن الأمر ببساطة كان قائمًا على مبدأ جميل توارثه الناس جيلًا بعد جيل:

اليوم نوقف معك… وباكر نوقف مع غيرك.

وكانت لحظة الراحة بعد العمل لها طعم خاص؛

العصيد الساخن يتوسط المجلس، يعلوه السمن البلدي، ومعه القهوة المجلجلة التي تفوح رائحتها في المكان. يجلس الرجال متحلقين، يتبادلون القصص والضحكات، ويقول أحدهم ممازحًا:

شِلْني أَشيلك.

وتتردد بينهم عبارات تراثية يعرفها أهل القرى، مثل قولهم:

وأتعاشى وأصبح وابن عم الليل… والله ما أروح إلا قهوة ليل.

كانت تلك الكلمات البسيطة تختصر فلسفة حياة كاملة، عنوانها التكافل الاجتماعي الذي ميّز المجتمع اليمني، حيث كان الجار سندًا لجاره، وكانت القرية كلها تقف مع بعضها في الفرح والتعب.

تلك الأيام كانت مختلفة…

أيام كان فيها الإنسان للإنسان عونًا، وكانت الأيادي تتشابك بلا مقابل، والقلوب تتقارب بلا حساب.

وربما لن تعود تلك الأيام كما كانت، لكن ذكراها ما زالت تعيش في قلوب من عرفوا معناها الحقيقي، وتذكرنا دائمًا أن أجمل ما في الحياة ليس المال ولا البناء… بل الناس الطيبون الذين يقفون معك حين تحتاجهم.

المهندس الزراعي / عبدالقادر خضر السميطي

دلتا أبين – الجمعة

13 مارس 2026م