إعداد/المستشار سالم سلمان الوالي:
في المنعطفات التاريخية التي تمر بها الشعوب، لا تكون الحكمة ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية. ففي مثل هذه اللحظات تصبح الكلمة مسؤولية؛ لأنها لا تعبّر فقط عن رأي عابر، بل تسهم في تشكيل ملامح المستقبل.
الجنوب بالنسبة لأبنائه ليس مجرد جغرافيا تُرسم على الخرائط، ولا عنوانًا سياسيًا عابرًا يرتبط بمرحلة من مراحل الصراع، بل هو إرث تاريخي تشكّل عبر الزمن، وصاغته ذاكرة الناس وتضحياتهم، وترسّخ في وجدان المجتمع جيلاً بعد جيل.
لقد مرّ أبناء الجنوب بمحطات صعبة في تاريخهم المعاصر، ولا يمكن لأي قراءة منصفة أن تتجاهل ما تعرّضوا له من اختلالات وتحديات في مراحل مختلفة من إدارة الدولة. وهذه ليست رواية عاطفية، بل حقيقة تاريخية أصبحت جزءًا من الوعي العام.
غير أن الأمم التي تتطلع إلى المستقبل لا تبقى أسيرة جراح الماضي، بل تتعامل معه باعتباره درسًا للتوازن لا سببًا للانقسام. فالقضايا العادلة لا تزداد قوة بالغضب، بل بالحكمة، ولا تتقدم بالصوت المرتفع، بل بالرؤية الواضحة.
القضية الجنوبية في جوهرها ليست قضية فئة أو تيار، بل قضية مجتمع كامل بتنوعه واختلاف آرائه. وهذا التنوع، إذا أُحسن التعامل معه، يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة يعزز تماسك المجتمع بدل أن يضعفه.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إثبات عدالة القضية، فذلك أصبح واضحًا في وعي أبنائها، بل في إدارة هذه القضية بعقل سياسي ناضج يحفظ تماسك المجتمع ويوجه طاقاته نحو البناء بدل استنزافها في صراعات داخلية.
إن ما يتطلع إليه أبناء الجنوب في نهاية المطاف ليس مجرد تغيير في الشعارات، بل بناء واقع سياسي ومؤسسي يضمن الكرامة الإنسانية، ويؤسس لدولة عادلة تقوم على سيادة القانون واحترام المؤسسات، وتفتح الطريق أمام الاستقرار والتنمية.
ولأن الجنوب بيتٌ لنا جميعًا، فإن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على الدفاع عن قضية عادلة، بل تمتد إلى إدارتها بروح المسؤولية التاريخية، وبخطاب يضع مصلحة المجتمع فوق كل اعتبار.
فمستقبل الجنوب لا تصنعه لحظات الغضب، بل تصنعه الحكمة التي تتجذر في وعي أبنائه، والإرادة التي توحدهم نحو العدل والاستقرار.