آخر تحديث :الأربعاء-11 مارس 2026-10:55م
أخبار وتقارير


قبل أن تسقط آخر نخلة ويجف آخر غصن بن في اليمن

قبل أن تسقط آخر نخلة ويجف آخر غصن بن في اليمن
الأربعاء - 11 مارس 2026 - 09:47 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

في وطن عُرف عبر التاريخ بأرض البن وتزينت وديانه وسهوله بآلاف أشجار النخيل يقف اليوم هذان المحصولان الاستراتيجيان أمام تحديات خطيرة تهدد مستقبلهما بل وتهدد جزءًا مهمًا من الهوية الزراعية والاقتصادية لليمن. فالنخيل الذي طالما كان رمزًا للخير والبركة يواجه اليوم خطرًا داهمًا يتمثل في سوسة النخيل الحمراء التي تنتشر بصمت لكنها تفتك بالأشجار كما يفعل السرطان في الجسد. وفي المقابل يقف البن اليمني صاحب السمعة العالمية والتاريخ العريق أمام معركة أخرى مع الجفاف والآفات الزراعية وضعف منظومة الدعم والإرشاد والتسويق.

ولعل ما طُرح في المعرض الوطني للبن والتمر من نقاشات علمية وورش توعوية بحضور قيادات من وزارة الزراعة والري والثروة السمكية ووزارة المياه والبيئة إلى جانب المختصين في العلوم الزراعية والمهتمين بزراعة البن والنخيل والجهات الداعمة والراعية وفي مقدمتها كاك بنك ومؤسسات مدنية وتنموية وجمعيات زراعية ومزارعين مستقلين كشف بوضوح حجم التحديات التي تواجه هذين المحصولين وأكد في الوقت ذاته أن الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل أو المعالجات الجزئية.

أولاً… سوسة النخيل الحمراء سرطان يهدد ثروة وطنية

تعد سوسة النخيل الحمراء من أخطر الآفات الزراعية في العالم وقد بدأت تنتشر في عدد من مناطق زراعة النخيل في اليمن بصورة مقلقة مثل محافظة أرخبيل سقطرى ومحافظة حضرموت وبقية مناطق زراعة النخيل في بلادنا حيث تتسلل إلى جذوع الأشجار وتتغذى على أنسجتها الداخلية حتى تسقط الشجرة دون أن يشعر بها المزارع إلا بعد فوات الأوان.

إن خطورة هذه الآفة لا تكمن فقط في سرعتها الكبيرة في الانتشار بل في قدرتها على تدمير بساتين كاملة خلال فترة زمنية قصيرة إذا لم يتم التعامل معها ببرامج علمية صارمة. وإذا أضفنا إلى ذلك ضعف برامج المكافحة المنظمة وقلة الوعي بطرق الوقاية وغياب الرصد المبكر للإصابات فإننا نكون أمام تهديد حقيقي قد يؤدي إلى خسارة آلاف الأشجار التي تمثل مصدر رزق لعدد كبير من المزارعين.

ثانياً… البن اليمني كنز عالمي يواجه العطش والآفات

أما البن اليمني الذي ارتبط اسمه بتاريخ القهوة في العالم فإنه يواجه اليوم تحديات معقدة أبرزها الجفاف وشح المياه نتيجة التغيرات المناخية إضافة إلى انتشار بعض الآفات الزراعية مثل النمل الأبيض وحفار ساق البن وحفار ثمار البن المعروف بالخارز.

كما يعاني مزارعو البن من ضعف منظومة الإرشاد الزراعي وقلة الكوادر الفنية المتخصصة في مناطق زراعة البن الأمر الذي يجعل المزارع يواجه هذه المشكلات بمفرده دون دعم فني كاف.

ولا تقف التحديات عند هذا الحد فهناك أيضًا مشكلات التسويق وتقلب الأسعار وغياب سلاسل القيمة المضافة إضافة إلى الاستيراد من الخارج الذي قد يؤثر سلبًا على المنتج المحلي إذا لم يتم تنظيمه بما يحمي البن اليمني ويعزز مكانته في الأسواق.

نحو خطة إنقاذ عاجلة

إن ما طُرح خلال ورش العمل المصاحبة لمعرض البن والتمر يؤكد الحاجة إلى خطة فنية عاجلة ومحددة بزمن لإنقاذ هذين المحصولين ويمكن أن تقوم هذه الخطة على عدد من الخطوات الأساسية من أبرزها:

إطلاق برنامج وطني عاجل لمكافحة سوسة النخيل الحمراء يعتمد على الرصد المبكر واستخدام المصائد الفرمونية والمكافحة المتكاملة.

تشكيل فرق ميدانية متخصصة لمتابعة بساتين النخيل وتقديم الدعم الفني للمزارعين.

تعزيز برامج الإرشاد الزراعي في مناطق زراعة البن وتوظيف مهندسين زراعيين متخصصين لمتابعة المزارعين ميدانيًا.

دعم مشاريع حصاد المياه والري الحديث للتخفيف من آثار الجفاف على مزارع البن.

تطوير سلاسل القيمة والتصنيع الزراعي للتمور والبن بما يزيد من دخل المزارعين.

تنظيم عملية التسويق والاستيراد بما يحمي المنتج المحلي ويعزز قدرته التنافسية.

مسؤولية وطنية مشتركة

إن إنقاذ النخيل والبن في اليمن ليس مسؤولية جهة واحدة بل هو مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكاتف الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجمعيات الزراعية والمؤسسات التنموية والبحثية.

وفي هذا السياق فإن الدور الذي تقوم به وزارة الزراعة والري والثروة السمكية بقيادة معالي وزير الزراعة اللواء سالم عبدالله السقطري وبدعم من الجهات الراعية والداعمة وفي مقدمتها كاك بنك يمثل خطوة مهمة يمكن البناء عليها لإطلاق برامج عملية تعيد الاعتبار لهذين المحصولين الاستراتيجيين.

أخيرًا وليس آخرًا

في نهاية المطاف لا يمكن النظر إلى ما يواجهه النخيل والبن في اليمن على أنه مجرد تحديات زراعية عابرة بل هو اختبار حقيقي لقدرتنا على حماية ثرواتنا الوطنية وصون تاريخنا الزراعي العريق. فالنخيل الذي يواجه خطر سوسة النخيل الحمراء والبن الذي يعاني من الجفاف والآفات وضعف منظومة الدعم والتسويق كلاهما يقفان اليوم على مفترق طرق حاسم.

إن الرسالة التي خرجت بها ورش العمل واللقاءات العلمية خلال معرض البن والتمر واضحة

الوقت لم يعد يحتمل الانتظار والحلول لم تعد تحتمل التأجيل.

المطلوب اليوم ليس مجرد تشخيص للمشكلة بل إطلاق برنامج وطني متكامل لإنقاذ النخيل والبن يقوم على التخطيط العلمي والتنفيذ الميداني والمتابعة المستمرة.

لقد أعطى معرض البن والتمر رسالة أمل بأن الإرادة موجودة وأن الاهتمام يتزايد لكن الأمل الحقيقي لن يكتمل إلا عندما تتحول هذه النقاشات إلى خطط تنفيذية واضحة على أرض الواقع.

فالنخيل والبن لا ينتظران كثيرًا

والزمن في الزراعة لا يعود إلى الوراء.

فلنتحرك اليوم

قبل أن تسقط آخر نخلة ويجف آخر غصن بن.

م / عبدالقادر خضر السميطي

دلتا أبين

11 مارس 2026م