تعيش الساحة الجنوبية اليوم حالة من الاستقطاب الحاد بين إتجاهين متناقضين، كلاهما يبتعد – بقصد أو بدون قصد – عن جوهر قضية شعب الجنوب واحتياجاته الحقيقية.
هذا الانقسام لا يخدم مشروع الدولة المنشودة التي يناضل من أجلها شعب الجنوب، ولا يساعد على بناء أرضية سياسية واجتماعية قادرة على مواجهة التحديات الراهنة.
الفئة الأولى تتعامل مع الانتقالي وعيدروس الزبيدي بوصفهما معيار الوطنية الوحيد، فيُختزل الولاء للجنوب وقضيته فيهما دون سواه. وكل من يختلف معهم يُتَّهَم بالخيانة أو بيع القضية، رغم أن كثيرون من قيادة المجلس الانتقالي يعترفون بوجود أخطاء وإخفاقات في أداء الانتقالي وقيادته. والمشكلة هنا ليست في الاعتراف بالخطأ، بل في غياب أي خطوات فعلية للتقييم والمراجعة وتصحيح المسار، أو تقديم رؤية جديدة تُطمئن الناس بوجود قيادة أكثر نزاهة ووعيًا قادرة على تجاوز الأخطاء المتراكمة وانتهاج عمل مؤسسي منظم قائم على عمل الهيئات والتقييم والمحاسبة وانتهاج خطاب جنوبي يوحد الناس، ،
أما الفئة الثانية، فهي التي حوّلت خلافها مع الانتقالي وعيدروس إلى خلاف مع القضية الجنوبية نفسها. إذ ينصبّ جهدها على مهاجمة الانتقالي وقيادته أكثر من أعداء الجنوب حتى بات خطاب هؤلاء الإعلامي يلتقي مع خطاب اقطاب صنعاء ضد الانتقالي ويقع هولاء في خطاء باعتقادهم أن رحيل عيدروس والانتقالي سيقود تلقائيًا إلى حلول سحرية ومعالجة شاملة لأزمات الناس. هذا الطرح – يغفل حقيقة واضحة: ان المشكلة لا تكمن فقط في الأشخاص ولا بالمكونات، بل في غياب خطط إصلاح حقيقية حتى الآن، وعدم وجود رؤية واضحة لمعالجة الأوضاع الخدمية والاقتصادية أو محاربة الفساد، سوى أكان من قبل السلطة او التحالف او الانتقالي، ،
فالبلاد تشهد انهيارًا في مؤسساتها الأساسية، وفي مقدمتها النفط والمصافي والموانئ والمطارات وغيرهامن مؤسسات ومرافق الدولة، دون وجود حلول مستدامة تُخرج هذه المرافق من دائرة الإغلاق أو التعطّل. كما أن آلاف الموظفين والعسكريين ما زالوا لسنوات دون رواتب منتظمة، فضلًا عن الحاجة الملحّة لإعادة النظر في هياكل الرواتب بما يتناسب مع الغلاء ومتطلبات المعيشة الضرورية. في ظل ارتفاع الأسعار والعملة ،،
إن اختزال القضية الجنوبية بين تطرفَين – أحدهما يقدّس الأشخاص، والآخر يحمّلهم وحدهم مسؤولية الانهيار – يبعد النقاش عن مساره الصحيح، ويضع العراقيل أمام بناء مشروع وطني جامع، قادر على تقديم حلول واقعية لأزمات الناس اليومية.
فالطريق نحو مستقبل أفضل يبدأ بالاعتراف بالأخطاء، ووضع خطط إصلاح حقيقية، وتقديم قيادة جديدة أو متجددة تملك الإرادة والرؤية، وتبتعد عن المزايدات والشعارات نحو العمل الفعلي لمعالجة معاناة الناس وإحياء مؤسسات الدولة والمرافق الحيوية.
عميد صالح قحطان المحرمي
24 فبراير 2026م