آخر تحديث :الأربعاء-25 فبراير 2026-03:04ص
أخبار وتقارير


الدولة شجرة إن سقيتها أثمرت، وإن أهملتها يبست

الدولة شجرة إن سقيتها أثمرت، وإن أهملتها يبست
الأحد - 15 فبراير 2026 - 07:35 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

هل نلحق بركب المتقدمين؟

بين وطنٍ كان سعيدًا… وواقعٍ يئن تحت ثقل الإهمال

كان يُقال قديمًا إن اليمن هو اليمن السعيد، لا بوصفٍ شاعري فحسب، بل باعتباره أرض حضارة ضاربة في عمق التاريخ؛ من مملكة سبأ إلى سد مأرب، حيث عرف أجدادنا هندسة الماء، وإدارة الموارد، وبناء الدولة، يوم كانت أمم كثيرة لا تزال تتلمس طريقها.

لكن السؤال المؤلم اليوم…

هل نستطيع نحن اليمنيين أن نلحق بركب الدول المتقدمة، أو على الأقل ببعض الدول العربية التي سبقتنا في ميادين كثيرة؟

مشهد للمقارنة حين يتكلم الواقع

خلال زيارتنا إلى الأردن، وتجوالنا في كثير من شوارع مدن المملكة الأردنية الهاشمية، لم نلحظ تلك المشاهد اليومية التي اعتدنا رؤيتها في بلادنا:

لا أكوام قمامة على الطرقات،

ولا أكياس بلاستيكية تتطاير مع الريح،

ولا علب متسخة، ولا أشجار سيسبان، ولا دمس،

ولا ذباب ولا بعوض يملأ الأجواء،

ولا ضوضاء عبثية توقظ النائمين.

حتى الغربان — يا لنظافته — لم يكن لها وجود…

شوارع بلا مطبات ولا حفر ولا نقاط عسكرية…

عالم بلا قات ولا «زنبعة»… ولا… ولا…

النظافة هناك سلوك عام،

والنظام ليس حملة موسمية، بل ثقافة دولة ومجتمع،

والبيئة الحضرية ليست صدفة، بل نتيجة إدارة ومحاسبة وتخطيط.

لكن ما لفت الانتباه أكثر لم يكن فقط نظافة الشوارع، بل حضور الغطاء النباتي في كل مكان…

الغابات والتشجير في الأردن… هوية وطنية لا زينة شكلية

في مختلف محافظات الأردن، من الشمال إلى الجنوب، تنتشر الغابات الطبيعية ومشاريع التشجير على نطاق واسع. تجد الأشجار على جانبي الطرق العامة، وفي الجبال، وفي مداخل المدن، وفي الشوارع الداخلية.

أشهر المناطق الحرجية في الأردن:

غابات عجلون في محافظة عجلون

غابات جرش في محافظة جرش

غابات دبين في محافظة المفرق

المناطق الحرجية في الكرك والسلط والطفيلة

وتنتشر أشجار الصنوبر والسرو والبلوط والكينا، وغيرها من الأنواع التي تتحمل طبيعة المناخ المحلي.

الغطاء النباتي في الأردن ليس مجرد تجميل بصري، بل له أبعاد عميقة:

حماية التربة من الانجراف

تحسين جودة الهواء

خفض درجات الحرارة

تقليل العواصف الغبارية

دعم التنوع الحيوي

تعزيز السياحة البيئية

رفع مستوى الصحة النفسية للمواطن

الأشجار هناك تُزرع وفق خطط، وتُروى، وتُحمى بالقانون.

الاعتداء على الأشجار مخالفة، وإلقاء النفايات في الغابات جريمة بيئية.

الفارق ليس في الطبيعة بل في الإدارة

قد يقول قائل إن الأردن بلد جبلي بطبيعته، لكن الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من غطائه النباتي هو نتيجة برامج تشجير وطنية مستمرة لعقود.

الفارق الحقيقي ليس في المناخ، ولا في المساحة، ولا في الموارد الطبيعية فقط، بل في:

وضوح الرؤية

قوة المؤسسات

تطبيق القانون

ثقافة المواطنة

استمرارية التخطيط

لماذا تراجعنا؟

التراجع الذي نعيشه ليس وليد لحظة، بل نتيجة تراكمات:

ضعف الإدارة المحلية

غياب المحاسبة

تراجع منظومة التعليم

إهمال البيئة والصحة العامة

غياب التخطيط الحضري المستدام

نعم، يا سادة، نقولها بكل صراحة:

حين تُهمل الأشجار تتحول المدن إلى كتل إسمنتية خانقة،

وحين تُهمل النظافة تنتشر الأمراض،

وحين يغيب القانون تصبح الفوضى سلوكًا يوميًا.

هل يمكن أن نلحق بالركب؟

الإجابة: نعم… ولكن بشروط.

لن نلحق بالركب بالشكوى فقط، ولا بالمقارنات المؤلمة، بل بخطة وطنية تبدأ من الأساس:

إعادة الاعتبار للتعليم البيئي في المدارس

إطلاق مشاريع تشجير مستدامة في المدن والقرى

حماية الغابات بالقانون

إشراك المجتمع المحلي في صيانة المساحات الخضراء

ربط النظافة بالمسؤولية والمساءلة

إذن علينا أن نفهم أن التقدم ليس معجزة، بل قرار،

والنظافة ليست مشروعًا ضخمًا، بل ثقافة يومية،

والتشجير ليس رفاهية، بل استثمار في صحة الأجيال القادمة.

بين الحزن والأمل

حين ترى الفارق بين وطنٍ كان يومًا منارة حضارية، وواقعٍ يعاني من الإهمال، تشعر بالحزن العميق… وربما تنهمر الدموع دون إرادة.

لكن الحزن إن لم يتحول إلى وعي ومسؤولية، يبقى مجرد ألم صامت.

اليمن لم يكن يومًا عاجزًا،

هو فقط بحاجة إلى مشروع وطني يعيد ترتيب الأولويات، ويضع الإنسان والبيئة في قلب التنمية.

أخيرًا وليس آخرًا

لسنا أقل ذكاءً…

لسنا أقل تاريخًا…

لسنا أقل قدرة…

لكننا بحاجة إلى دولة مؤسسات وقانون يُحترم ويصون الممتلكات العامة والخاصة.

نحن بحاجة إلى مجتمع يعتبر النظافة قيمة أخلاقية،

وإلى تشجير يُنظر إليه كأمن وطني بيئي،

وإلى تعليم يُنتج وعيًا لا شهادات تُركن على رفوف المكتبات للاستعراض.

حينها فقط… لن نسأل متى نلحق بركب المتقدمين، بل سنكون جزءًا منه.

وما دام فينا من يسأل هذا السؤال بحرقة وألم وصدق،

فالأمل… لم يمت بعد.

عبدالقادر السميطي

دلتا أبين