في الذاكرة الشعبية أمثالٌ لا تُقال عبثًا، بل وُلدت من رحم التجربة واختُبرت بمرور الزمن.
ومنها المثل البليغ: أعمى زَقَر جَراده، ويُضرب به لمن يُمسك بشيء لا ينفعه، بل قد يؤذيه، ويرفض تركه رغم وضوح العواقب.
ويقترن بهذا المعنى مثلٌ آخر لا يقل قوة ودلالة: وسيّع البطن تُرضيه بالطعام، وقليل العقل تُرضيه بالكلام.
وهو مثل يكشف خطورة الاكتفاء بالشعارات، وتخدير العقول بالكلام المنمق بدل معالجة جوهر المشكلة.
هذان المثلان، بكل ما يحملانه من حكمة، يفرضان نفسيهما اليوم عند قراءة واقع اليمن شمالًا وجنوبًا.
كثيرون من إخوتنا في شمال الوطن، وحتى بعض الجنوبيين، ما زالوا متمسكين بفكرة الوحدة كما طُرحت قبل عقود، دون مراجعة أو مساءلة، وكأن الخلل في الناس لا في الصيغة، وفي الضحايا لا في السبب.
يُرضيهم الكلام، وتُسكّنهم الشعارات، بينما الواقع يزداد سوءًا، والألم يتضاعف، والكل يعلم أن ما تعيشه البلاد من أزمات، حروب، انهيار اقتصادي وتمزق اجتماعي، قد فاق كل تصور، وأن المواطن البسيط هو من يدفع الثمن وحده، لا من يكتفون بالخطب، ولا من يتغذون على وهم الشعارات.
والحقيقة التي لا يجوز القفز عليها: نحن لم نكن يومًا أعداءً للوحدة، بل كنا وحدويين حتى النخاع، وآمنّا بها مشروعًا لبناء دولة، لا بوابةً للأزمات.
لكن حين تتحول الفكرة إلى عبء، وتتحول الصيغة إلى سبب مباشر لانعدام الأمن والاستقرار، يصبح من الحكمة إعادة التفكير لا المكابرة.
السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح بصدق: ما الذي يحقق الأمن والأمان للناس؟
إن كان فك الارتباط هو الطريق إلى الاستقرار ووقف النزيف، فليكن ذلك خيارًا يُناقش بعقل مفتوح، لا بتخوين جاهز.
وإن كانت الأقاليم هي الصيغة القادرة على إنقاذ ما تبقى من الدولة والإنسان، فلتُطرح بموضوعية، لا بشيطنة.
يا جماعة الخير، المشكلة ليست في تعدد الخيارات، بل في الإصرار على خيارٍ فشل، وكأن الاعتراف بالخطأ عيب، بينما الإصرار عليه فضيلة.
وهنا تحذرنا الأمثال من جديد: فليس كل من يُصفق للكلام عاقلًا، ولا كل من يرفع شعارًا صادقًا.
قليل العقل تُرضيه الكلمات، لكن الأوطان لا تُنقذ بالكلام.
لا تكونوا كالأعمى الذي زَقَر جَراده، يمسك بما يؤذيه ويرفض أن يرى الطريق من حوله.
اليمن يستحق منا شجاعة المراجعة، وصدق الاعتراف، وحكمة تقديم مصلحة الشعب على قدسية الشعارات.
فالأوطان لا تُبنى بالعناد، بل بالحلول التي تصنع السلام وتحفظ كرامة الإنسان… شمالًا وجنوبًا.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
3 فبراير 2026م