حقيقة تتجسّد بوضوح في قصة دخن كانو وذرة كانو، وهما من الأصناف غير المحلية، لكنها حملت قيمة علمية وزراعية عالية، وكان يمكن أن تتحول إلى ركيزة حقيقية للأمن الغذائي لو أُحسن التعامل معها وحمايتها.
بذور جاءت من كانو… مدينة العلم والزراعة
دخلت هذه الأصناف إلى بلادنا كهدية علمية ثمينة، جاءت عن طريق الدكتور واثق عولقي – حفظه الله – من مدينة كانو، إحدى أعرق المدن الزراعية في جمهورية نيجيريا الاتحادية، والمعروفة بخبرتها الطويلة في زراعة الحبوب، خصوصًا الدخن والذرة الرفيعة، وبما تمتلكه من تنوّع وراثي مميّز لهذه المحاصيل.
لم تكن الهدية مجرد بذور، بل كانت نقلًا لتجربة زراعية أفريقية ناجحة، قُدّمت إلى باحث زراعي آمن بأن العلم هو الطريق الوحيد لخدمة الوطن. وقد تم تسليم هذه البذور إلى الباحث المهندس أحمد سالم الغاز، الذي تفرّغ بدوره لتنفيذ تجربة علمية منهجية ومدروسة، في زمنٍ قلّ فيه الإخلاص وكثر فيه العبث بمقدّرات البلاد.
تجربة علمية ناجحة ونتائج لافتة
في الموسم الزراعي 2009–2010م، جرى تجهيز الأرض بعناية، وزُرعت بذور كانو ضمن إطار تجريبي علمي، مع متابعة دقيقة وإدارة زراعية واعية.
وجاءت النتائج مبشّرة ومذهلة؛ أصناف سريعة النمو، قوية التحمّل، خالية من الأمراض والآفات، ذات سنابل كبيرة وحبوب ممتلئة، أثبتت قدرة عالية على التأقلم مع البيئة المحلية، وفتحت آفاقًا واسعة لإكثارها واعتمادها مستقبلًا.
من الأمل إلى الفقد… عام الانكسار
بعد الحصاد، حُفظت البذور في المستودعات لتكون بذور أساس يُعتمد عليها في المواسم اللاحقة، بهدف الإكثار والتوزيع على المزارعين.
لكن جاء عام 2011م محمّلًا بالفوضى والانهيار؛ نزوح، ونهب، وتخريب، وضياع للجهود والآمال. وكان مخزن بذور كانو من بين ما طالته الفوضى، ففُقدت البذور، وضاع معها مشروع بحثي واعد، وأُغلق ملف أصناف مهمة مثل: دخن كانو، ذرة كانو، كود 94 (سمسم)، كود 92 (فول سوداني)، وغيرها.
الدروس المستفادة والرسالة الأهم
تكشف هذه القصة هشاشة منظومة حماية الموارد الوراثية الزراعية، وتؤكد أن ضياع البذور ليس خسارة موسم، بل خسارة مستقبل كامل.
وفي الختام يمكننا أن نقول:
إن معركة البذور ليست مسألة زراعة فحسب، بل معركة سيادة وهوية وقرار وطني. فالأمم التي لا تحمي بذورها لا تحمي مستقبلها، وتظل رهينة للاستيراد والابتزاز الغذائي في أحلك الظروف. وما جرى لدخن كانو وذرة كانو ليس خطأً عابرًا، بل جرس إنذار قاسٍ يذكّرنا بأن الأمن الغذائي لا يقل خطورة عن الأمن العسكري، وأن التفريط في الموارد الوراثية هو تفريط صريح في استقلال القرار الوطني.
لقد آن الأوان لأن تتحول الزراعة من هامش مهمل إلى أولوية سيادية، وأن يُعاد الاعتبار للباحث والمختبر والبذرة الوطنية، وأن تُبنى منظومة صارمة لحماية الأصول الوراثية الزراعية، بعيدًا عن الفوضى والارتجال. فالدولة التي لا تمتلك بذورها لن تمتلك خبزها، ومن لا يملك خبزه لن يملك قراره.
دخن كانو يجب أن يعود، لا كحنين إلى الماضي، بل كعنوان لمعركة وطنية لاستعادة ما تبقّى من الأمل، وبناء مستقبل يُزرع في الأرض… قبل أن يُطلب على موائد الآخرين.
✍️ عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين