تُعدّ الحقول الإيضاحية من أهم وأقوى الوسائل الإرشادية الزراعية، لما لها من دور مباشر في توعية المزارعين ونقل التقنيات الحديثة من الورق إلى أرض الواقع. فهي لا تعتمد على الشرح النظري فقط، بل تقوم على إظهار النتائج داخل الحقل نفسه، حيث يرى المزارع الفرق بعينيه، ويقارن بين ما اعتاد عليه من ممارسات تقليدية، وما تحققه الأساليب الحديثة من إنتاجية وجودة أفضل.
إن الحقل الإيضاحي بمثابة مختبر زراعي مفتوح داخل أرض المزارع، تُطبَّق فيه حزمة متكاملة من التقنيات الزراعية الحديثة بإشراف المرشد الزراعي، وتُتابَع خطوات التنفيذ والنتائج موسمًا بعد آخر، ليصبح الحقل أداة تعليمية حيّة ومؤثرة.
ما هو الحقل الإيضاحي؟
الحقل الإيضاحي هو مساحة محدودة من أرض المزارع – غالبًا لا تتجاوز فدانًا واحدًا – تُخصَّص لتجربة وتطبيق ممارسات زراعية محسَّنة، مثل:
استخدام برامج تسميد حديثة ومتوازنة لرفع الإنتاجية وتحسين جودة المحصول.
تطبيق أساليب الريّ الرشيد لترشيد استهلاك المياه وتقليل الهدر.
زراعة أصناف محسَّنة عالية الإنتاج ومقاومة للأمراض.
الاعتماد على المبيدات الطبيعية والموصى بها من مراكز البحوث، للحد من الأضرار الصحية والبيئية.
الهدف من إقامة الحقول الإيضاحية
لا تُقام الحقول الإيضاحية لمجرد التجربة، بل لتحقيق أهداف واضحة ومحددة، من أهمها:
إقناع المزارع بالنتيجة وليس بالكلام، من خلال عرض الفرق العملي بين الزراعة التقليدية والحديثة.
رفع كفاءة المزارع الفنية وتمكينه من تطبيق الممارسات الصحيحة بنفسه.
تقليل الخسائر الزراعية الناتجة عن الأخطاء في التسميد والريّ والمكافحة.
نشر التقنيات الزراعية الحديثة بطريقة سهلة وقابلة للتطبيق.
دعم التحول نحو الزراعة المستدامة القائمة على العلم والتخطيط.
أهمية الحقول الإيضاحية في توعية المزارعين
إن توقف العمل بنظام الحقول الإيضاحية خلال السنوات الماضية، نتيجة الظروف التي مرت بها بلادنا، كان له أثر سلبي كبير على تطور القطاع الزراعي. فالحقول الإيضاحية ليست مجرد تجربة، بل هي مدرسة عملية داخل الحقل، يتعلم فيها المزارع من الواقع لا من الكتب.
ومن خلال الحقول الإيضاحية يمكن تحقيق:
زيادة الإنتاجية وتحسين جودة المحاصيل.
خفض التكاليف عبر الاستخدام الأمثل للمياه والأسمدة.
رفع الوعي الزراعي لدى المزارعين.
التخلص من الممارسات العشوائية والانتقال إلى زراعة علمية منظمة.
تعزيز مفاهيم الاستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية.
شروط نجاح الحقل الإيضاحي
لكي يحقق الحقل الإيضاحي أهدافه المرجوة، يجب الالتزام بعدد من الشروط الأساسية، أبرزها:
أن تكون المساحة صغيرة نسبيًا (لا تتجاوز فدانًا واحدًا) لتسهيل المتابعة.
اختيار موقع مناسب وقريب من الطريق العام، ليكون سهل الوصول والزيارة.
التطبيق الكامل والدقيق لجميع التوصيات الفنية دون إهمال أي خطوة.
المتابعة المستمرة من قبل المرشد الزراعي وتوثيق النتائج.
اليوم الحقلي الإعلامي: تتويج للتجربة وإظهار للنتائج
يُعدّ اليوم الحقلي الإعلامي إحدى أهم مراحل الحقل الإيضاحي، حيث يتم من خلاله دعوة المزارعين والمهتمين والجهات ذات العلاقة لزيارة الحقل في مرحلة الحصاد أو عند ظهور النتائج النهائية.
وفي هذا اليوم:
تُعرض النتائج بشكل عملي ومقارن.
تُشرح الخطوات التي اتُّبعت منذ بداية الزراعة.
يُفتح المجال للنقاش وتبادل الخبرات.
يُشجَّع المزارعون على تبنّي هذه التقنيات في حقولهم.
يضمن التنسيق الجيد لليوم الإعلامي تعميم الفائدة، ويحوّل الحقل الإيضاحي من تجربة فردية إلى نموذج يُحتذى به في المنطقة.
كلمة أخيرة للمزارعين
إن العودة إلى نظام الحقول الإيضاحية تمثّل خطوة أساسية لإنهاء الزراعة المتخلّفة وفتح الطريق أمام زراعة حديثة ومستدامة. فالزراعة اليوم لم تعد مجرد تقليد لما كان يفعله الآباء والأجداد، بل أصبحت علمًا وتقنية وتجربة ميدانية.
الحقول الإيضاحية هي الجسر الذي يربط المزارع بالعلم الحديث، وهي الأمل الحقيقي في رفع الإنتاج، وتحقيق الأمن الغذائي، وتقليل معاناة المزارعين من الخسائر المتكررة.
عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين