يقول المثل الشعبي: من نَسْمته بيد غيره مات معذَّب، وهو مثل يتجاوز الزمان والمكان، ويصيب كبد الحقيقة حين نفقد القدرة على إدارة شؤوننا بأيدينا. ولعل هذا المثل اليوم يصف حال اليمن، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، حيث تتشابه المعاناة وإن اختلفت التفاصيل.
في كل رقعة من هذا الوطن المنهك، يعيش المواطن تحت ضغط الأزمات: خدمات شحيحة، واقتصاد متعب، وأمن هش، ومستقبل غائم. لكن القاسم المشترك بين الجميع هو شعور عميق بأن القرار لم يعد قريبًا من الناس، ولا نابعًا من احتياجاتهم اليومية، بل بات رهينة لتجاذبات داخلية وتدخلات خارجية تُدار باسم السياسة، ويدفع ثمنها المواطن البسيط.
حين تتداخل الأجندات، ويعلو صوت المصالح على صوت الإنسان، تتحول الأزمات إلى حالة دائمة، ويصبح الصبر عبئًا لا فضيلة. فالتدخل في الشأن اليمني، بأي شكل كان، شمالًا أو جنوبًا، لا يزيد الواقع إلا تعقيدًا، ولا يصنع استقرارًا، بل يمدّ عمر المعاناة ويؤجل الحلول.
والأخطر من ذلك أن الانقسام، حين يُغذّى من الخارج أو من الداخل، يُفقد المجتمع بوصلته، ويجعل الناس في مواجهة بعضهم بدل مواجهة أسباب أزماتهم الحقيقية. بينما اليمني، في كل مكان، لا يطلب سوى حقه الطبيعي في العيش الكريم، والأمن، والخدمة، وقرار يُشبهه.
رسالة الناس اليوم واضحة ولا تحتمل التأويل:
دعوا اليمنيين يقررون مصيرهم بأنفسهم.
أغلقوا أبواب الفتنة، واحترموا خصوصية الشأن الداخلي، وقدّموا مصلحة الإنسان على أي حسابات أخرى.
فالأوطان لا تُدار بالوصاية، ولا تُبنى بالتدخلات، ولا تُنقذ بإطالة أمد الأزمات. والتاريخ شاهد أن الشعوب التي تُسلب إرادتها قد تتألم طويلًا، لكنها لا تموت.
وفي ختام القول، لا يمكن للناس أن تستمر في العيش على حافة الاحتمال إلى ما لا نهاية. فالكرامة ليست ترفًا، والخدمات ليست منّة، والاستقرار لا يتحقق بالعناد ولا بإشعال الفتن. ما يريده المواطن اليوم أبسط بكثير مما يُصوَّر: حياة آمنة، وقرار مسؤول، وحدٌّ أدنى من الرحمة في إدارة شؤون الناس.
دعوا هذا الوطن يتنفس، واتركوا للناس نسمة حياة بأيديهم لا بأيدي غيرهم. فالشعوب قد تصبر، لكنها إن تعبت لن تنسى، وإن سُلبت إرادتها ستبقى تبحث عنها مهما طال الزمن. والسلام الحقيقي يبدأ حين يُحترم الإنسان، ويُسمع صوته، ويُترك ليعيش بسلام.
عبد القادر السميطي
دلتا أبين