«وغداً تتألّق الجنةُ أنهاراً وظِلًّا
وغداً ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى»
(أم كلثوم)
حاضرٌ مُثقَل… وغدٌ لا نملك ترفَ الهروب إليه.
وغداً تتألّق الجنةُ أنهاراً وظِلًّا…
هكذا نحلم، وهكذا نواسي أنفسنا كلما اشتدّ الظلام، وكلما ضاقت الأرض بما رحبت. نؤجّل الألم إلى غدٍ نعتقد أنه سيكون أفضل، وأعدل، وأهدأ، وأنقى. نقول: وغداً ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى، لكن الحقيقة الموجعة أن الماضي لا يرحل وحده، بل نحمله معنا أينما ذهبنا، ما لم نواجهه بشجاعة.
بلادنا اليوم لا تبكي لأنها ضعيفة، بل لأنها ممتلئة.
ممتلئة بالقهر، والخوف، والغضب، وبأملٍ عنيدٍ يرفض أن يموت. فالبكاء ليس مرادفاً للحزن، بل مرادفٌ للامتلاء… ولهذا تبكي الأوطان كما يبكي الإنسان؛ تبكي حين تفيض مشاعرها، وحين تتراكم الخيبات، وحين تشعر أن أبناءها مختلفون عليها أكثر مما هم متفقون لأجلها.
نعيش اضطراباتٍ لا تخفى على أحد:
اختلافات سياسية تمزّق الصف، وأزمات اقتصادية تخنق الناس، وصراعات تُنهك الروح قبل الجسد، وخطاب كراهية يزرع الشك بين الأخ وأخيه. كل طرف يظن أنه على حقٍ كامل، وينسى أن الوطن لا يحتمل كاملين متخاصمين، بل يحتاج إلى ناقصين متفاهمين.
ننزه بالغد، ونختلف في الحاضر.
نرفع شعارات عظيمة عن مستقبلٍ زاهر، لكننا نفشل في إدارة يومنا. نختلف على التفاصيل، وننسى الجوهر: أن هذا الوطن لا يملكه حزب، ولا جماعة، ولا فرد، بل هو أمانة في أعناق الجميع.
وغداً للحاضر الزاهر نحيا، ليس إلا… لكن أيُّ حاضرٍ هذا إذا كنا نهرب منه كل يوم إلى وهم الغد؟
قد يكون الغيب حلواً… لكن الحاضر أحلى، إن أحسنّا التعامل معه.
الحاضر هو ساحة الاختبار الحقيقية:
هل نختار الحوار أم التخوين؟
هل نُقدّم مصلحة الوطن أم مصلحة اللحظة؟
هل نداوي الجراح أم نفتحها كل صباح بخطابٍ أحمق أو موقفٍ أناني؟
تجاوز هذه المرحلة الصعبة لا يبدأ بمعجزة، بل بخطواتٍ واضحة:
أولها الاعتراف بأننا جميعاً أخطأنا، بدرجاتٍ مختلفة.
ثانيها التواضع السياسي والاجتماعي، فلا أحد يملك الحقيقة المطلقة.
ثالثها وحدة الهدف مهما اختلفت الوسائل: إنقاذ الوطن قبل تسجيل النقاط.
ورابعها إعادة الاعتبار للإنسان، ولكرامته، ولقيمته، ولحقه في العيش دون خوف أو إذلال.
بلادنا لا تحتاج مزيداً من الخطب، بل مزيداً من الضمير.
لا تحتاج من يصرخ باسمها، بل من يعمل بصمتٍ لأجلها.
لا تحتاج من يتباكى على أطلالها، بل من يبني — ولو حجراً واحداً — في جدار الأمل.
نعم… نبكي اليوم، لكن بكاء الامتلاء لا بكاء الانكسار.
نبكي لأننا نحب هذا الوطن أكثر مما نظهر، ونخاف عليه أكثر مما نعترف.
وإن كان الغد حلواً، فلن يأتي وحده…
نحن من يجب أن يصنعه، هنا، الآن، في هذا الحاضر المتعب…
لأنه، رغم كل شيء، ما زال أحلى مما نتصوّر، إن صدقنا مع أنفسنا ومع وطننا.
— عبدالقادر السميطي
— دلتا أبين