أحدثت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية تحولات سياسية لافتة في واشنطن وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الحسابات الدولية بعدما تمكن الحزب الديمقراطي من انتزاع السيطرة على مجلسي الكونجرس في تطور يمثل ضربة سياسية قوية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويضع إدارته أمام تحديات متصاعدة خلال المرحلة المقبلة.
وتجاوزت تداعيات هذه النتائج حدود المشهد السياسي الأمريكي لتتحول إلى محور اهتمام دولي واسع حيث سارعت عواصم العالم إلى قراءة انعكاساتها المحتملة على ملفات الحرب مع إيران والدعم العسكري لأوكرانيا والعلاقات الأمريكية الأوروبية ومستقبل التحالفات الدولية.
وجاءت هذه التطورات في ظل إقرار ترامب بأن الحرب مع إيران ربما أسهمت في تراجع أداء الجمهوريين انتخابيا نتيجة تداعياتها الاقتصادية وارتفاع أسعار الوقود فيما حمّل نائبه جي دي فانس الحرب مسؤولية جانب من الخسائر التي تكبدها الحزب.
**أوروبا.. ارتياح سياسي ومخاوف من استمرار التباعد**
استقبلت عواصم أوروبية النتائج بقدر من التفاؤل الحذر إذ اعتبر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن ما حدث يعكس تراجع المد اليميني على المستوى الدولي مستشهدا بتجارب انتخابية في دول أخرى وتوقع امتداد هذا الاتجاه إلى إسبانيا.
كما وصف رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره النتائج بأنها إشارة سياسية مهمة إلى تحولات في توجهات الناخب الأمريكي فيما هنأ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الديمقراطيين على فوزهم مؤكدا أهمية استمرار التعاون بين برلين وواشنطن بعيدا عن التجاذبات الحزبية.
وفي المقابل شددت أصوات أوروبية على ضرورة تعزيز استقلالية القرار الأوروبي وتقوية القدرات السياسية والاقتصادية والأمنية للاتحاد الأوروبي وعدم رهن المصالح الاستراتيجية للقارة بالتغيرات السياسية داخل الولايات المتحدة.
**موسكو وكييف.. قراءات متباينة لمستقبل الحرب**
في موسكو سادت نبرة الحذر تجاه نتائج الانتخابات حيث أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن ترامب لا يزال رئيسا للولايات المتحدة معربا عن أمل بلاده في استمرار الجهود الرامية إلى تحقيق السلام.
في المقابل شدد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف على أن موقف الديمقراطيين من روسيا يتسم بالتشدد وأن التحولات الانتخابية الأمريكية لن تدفع موسكو إلى تغيير حساباتها الاستراتيجية.
أما في كييف فقد برزت قراءات أكثر تفاؤلا بإمكانية أن تسهم سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس في تعزيز الدعم الأمريكي لأوكرانيا وفتح المجال أمام رقابة أكبر على توجهات الإدارة الأمريكية في ملفات الصراع الدولي.
**بكين وطوكيو.. التمسك بالاستقرار**
تعاملت الصين مع النتائج باعتبارها شأنا داخليا أمريكيا حيث أكدت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ استعداد بلادها للعمل من أجل بناء علاقات مستقرة وبنّاءة مع واشنطن.
من جانبها جددت اليابان تمسكها بالتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة مؤكدة أن هذا التحالف يمثل حجر الزاوية في سياستها الخارجية والأمنية بغض النظر عن التغيرات السياسية داخل المؤسسات الأمريكية.
**طهران وتل أبيب.. الحرب في قلب الحسابات السياسية**
في طهران اعتبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن نتائج الانتخابات تحمل رسالة واضحة بشأن رفض قطاع من الناخبين الأمريكيين استمرار الحرب مع إيران محذرا إدارة ترامب من تجاهل المزاج الشعبي الأمريكي وتداعيات ذلك على مستقبلها السياسي.
ورأت وسائل إعلام إيرانية أن الحرب تحولت إلى عبء سياسي على الإدارة الأمريكية وأن تداعياتها الاقتصادية والعسكرية باتت حاضرة بقوة في حسابات الناخبين.
وعلى الجانب الإسرائيلي أثارت النتائج تساؤلات بشأن انعكاس تراجع نفوذ ترامب على حكومة بنيامين نتنياهو في ظل الخلافات السياسية والملفات الإقليمية الحساسة.
ورأت شخصيات معارضة إسرائيلية أن التحول في موازين القوى داخل واشنطن قد يضع حكومة نتنياهو أمام ضغوط سياسية إضافية ويحد من هامش المناورة الذي كانت تستفيد منه في ظل سيطرة الجمهوريين على المؤسسات التشريعية.
**المكسيك وجنوب إفريقيا.. أبعاد تتجاوز واشنطن**
امتدت ردود الفعل إلى أمريكا اللاتينية وإفريقيا حيث أعربت الرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم عن ترحيبها بفوز شخصيات من أصول مكسيكية بمناصب سياسية بارزة في الولايات المتحدة.
كما اعتبر رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا أن النتائج قد تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات الدولية في ظل التوترات التي شهدتها علاقات بلاده مع إدارة ترامب خلال الفترة الماضية.
**واشنطن أمام اختبار سياسي جديد**
وبصرف النظر عن اختلاف القراءات الدولية فإن سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس لا تعني بالضرورة حدوث تحول فوري في السياسة الخارجية الأمريكية إذ يظل الرئيس دونالد ترامب ممسكا بصلاحيات واسعة في إدارة العلاقات الخارجية وتحديد توجهات البيت الأبيض.
غير أن انتقال موازين القوى التشريعية يمنح الديمقراطيين أدوات أوسع لممارسة الرقابة والمساءلة والتأثير في القرارات المتعلقة بالإنفاق العسكري والحرب مع إيران والمساعدات المقدمة لأوكرانيا والعلاقات مع إسرائيل.
وبذلك تدخل واشنطن مرحلة سياسية أكثر تعقيدا حيث لن تكون تداعيات الانتخابات محصورة في صراع الحزبين على السلطة بل ستمتد إلى حسابات الحلفاء والخصوم على حد سواء في اختبار جديد لقدرة الإدارة الأمريكية على إدارة ملفات الداخل والخارج وسط انقسام سياسي متصاعد.