آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-08:57م
أخبار وتقارير


عشق المدن.. حين تصبح النظافة ثقافة وجمالاً وانتماءً

عشق المدن.. حين تصبح النظافة ثقافة وجمالاً وانتماءً
الخميس - 05 نوفمبر 2026 - 08:04 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

لا نريد شوارع نظيفة ليوم واحد.. نعم نريد مدناً تتنفس الجمال كل يوم.

للمدن أرواح تسكن شوارعها وللأحياء ذاكرة تختبئ في أزقتها وللأرصفة حكايات يكتبها المارة كل صباح.

وما أجمل أن نستيقظ على مدينة نظيفة تتزين شوارعها بجمال الأشجار وتفوح من أحيائها رائحة الحياة وتمنح أهلها شعوراً بالراحة والانتماء.

فالمدينة هي بيتنا الكبير الذي يجمعنا جميعاً وكلما حافظنا على نظافته ازدادت محبتنا له وكلما اعتنينا بتفاصيله أصبح أكثر جمالاً وبهجة.

ومن هنا فإن حملات النظافة التي تشهدها بعض مدننا تمثل مبادرات تستحق التقدير وتعكس روح التعاون والمسؤولية المجتمعية. لكنها في الوقت ذاته تضع أمامنا سؤالاً جوهرياً.. هل نريد تنظيف الشوارع لمرة واحدة أم نريد أن نؤسس لثقافة دائمة تحافظ على نظافتها؟

فالمشاهد الحالية في بعض الشوارع التي نُفذت فيها حملات النظافة تكشف أن المشكلة لا تزال قائمة إذ عادت المخلفات إلى الظهور ولا يزال بعض الباعة وأصحاب الأنشطة التجارية يتعاملون مع النظافة باستهانة واستهتار وكأن الجهود التي بُذلت لم تكن سوى مشهد عابر.

وهذا يعيدنا إلى نقطة البداية ويجعل ما تحقق مهدداً بالتلاشي خصوصاً مع غياب المتابعة والمساءلة تجاه المخالفات المتكررة.

فليس من المنطقي أن تُنظف الشوارع صباحاً ثم تعود إليها الفوضى مساءً بينما يبقى عامل النظافة وحده في مواجهة نتائج سلوكيات الآخرين.

إن قيمة حملة النظافة لا تُقاس بعدد أكياس القمامة التي جُمعت بل بقدرتها على منع تراكمها من جديد.

من الحملة إلى ثقافة النظافة المستدامة

أعتقد أن الخطوة الأهم التي ينبغي التفكير فيها هي التخطيط لما بعد حملات النظافة من خلال إعداد برنامج واضح تتبناه السلطة المحلية بالتنسيق مع الجهات المختصة والمجتمع ويستمر لمدة لا تقل عن شهر ليكون مرحلة انتقالية من العمل التطوعي المؤقت إلى الالتزام اليومي.

ويبدأ ذلك بمتابعة الأسواق والمحلات التجارية والبسطات والأكشاك وتوعية أصحابها بضرورة جمع المخلفات في أكياس محكمة الإغلاق ووضعها في مواقع محددة وفق مواعيد معروفة لجمعها ونقلها بواسطة عمال النظافة.

كما ينبغي أن تكون هناك متابعة ميدانية مستمرة وتطبيق عادل للوائح والغرامات على المخالفين الذين يكررون رمي المخلفات وتشويه المظهر العام وذلك بعد توفير وسائل التخلص من النفايات وإتاحة الفرصة للجميع للالتزام.

المتطوعون.. سفراء الجمال في شوارعنا

ومن الأفكار الجميلة التي تستحق الاهتمام فتح باب التطوع أمام الشباب ومحبي البيئة وتشكيل فرق ميدانية تجوب الأسواق والحارات وتزور المحلات التجارية لتقديم رسائل توعوية حول أهمية النظافة والمحافظة على البيئة.

على أن يُمنح هؤلاء المتطوعون بطاقات تعريفية وتصاريح رسمية معتمدة من السلطة المحلية لتنظيم عملهم وتسهيل مهامهم وليكونوا حلقة وصل إيجابية بين الجهات المختصة والمجتمع.

فكم نحن بحاجة إلى شباب يحملون رسالة الجمال ويؤمنون بأن خدمة المدينة ليست وظيفة جهة بعينها بل مسؤولية إنسانية ومجتمعية مشتركة.

تجربة صغيرة.. ونتائج يمكن أن تغير وجه المدينة

ولكي لا تبقى الأفكار مجرد مقترحات على الورق أقترح أن تبدأ السلطة المحلية بتجربة عملية في كل مدينة من خلال اختيار شارعين رئيسيين وتطبيق برنامج متكامل للنظافة والمتابعة والتوعية لمدة شهر.

تبدأ التجربة بتوفير حاويات القمامة في المواقع المناسبة وتحديد مواعيد ثابتة لمرور سيارات النظافة وتوعية أصحاب المحلات والباعة والسكان وتشكيل فريق للمتابعة والتقييم.

وبعد انتهاء الفترة التجريبية تُقارن النتائج بالوضع السابق وتُحدد نقاط القوة والقصور ثم تُعمم التجربة تدريجياً على بقية الشوارع والأحياء.

وأنا على ثقة بأن هذه الخطوة إذا نُفذت بتخطيط جيد ومتابعة جادة ستكشف عن نتائج جميلة وستمنحنا نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه.

لا تنسوا جنود النظافة المجهولين

وفي خضم الحديث عن جمال المدن لا ينبغي أن ننسى أولئك الذين يعملون بصمت ويقضون ساعات طويلة في تنظيف الشوارع والأرصفة ويتحملون مشقة العمل في ظروف صعبة.

إن عمال النظافة يستحقون منا كل التقدير والاحترام ومن الوفاء لجهودهم ألا نزيد أعباءهم بمخلفات نستطيع نحن تجنبها. فهم ليسوا مسؤولين عن تصحيح كل سلوك خاطئ وإنما هم شركاء في منظومة ينبغي أن يلتزم بها الجميع.

إن تخفيف العبء عن هؤلاء العمال يبدأ من سلوك بسيط.. أن نضع مخلفاتنا في مكانها الصحيح وأن نحترم الشارع كما نحترم بيوتنا.

البيئة الجميلة ليست نظافة فقط

ولا تكتمل صورة المدينة النظيفة بإزالة المخلفات وحدها بل ينبغي أن تمتد جهودنا إلى تشجير الشوارع وتحسين الأرصفة والعناية بالمساحات العامة وزراعة الأشجار المحلية التي تتحمل الظروف المناخية والاستفادة من المخلفات العضوية المناسبة في إنتاج السماد وتشجيع إعادة تدوير المواد القابلة للاستفادة.

كما أن للمدارس والمساجد والإعلام دوراً مهماً في ترسيخ ثقافة النظافة وتعليم الأطفال أن المحافظة على الشارع مسؤولية أخلاقية لا تقل أهمية عن المحافظة على المنزل.

كلمة أخيرة ومن القلب...

أحبوا مدنكم كما تحبون بيوتكم ولا تتركوا شوارعها مثقلة بالمخلفات ولا تجعلوا أزقتها أسيرة الإهمال.

ازرعوا فيها شجرة وأعيدوا إلى أرصفتها ابتسامتها وكونوا عوناً لأولئك الذين يسهرون على نظافتها.

م. عبدالقادر السميطي

دلتا أبين

4 نوفمبر 2026م