استطلاع: محفوظ كرامة / خالد دهمس
في مدينة جعار بمحافظة أبين، وعلى مقربة من مستشفى الرازي العام، يقف فرع معهد أمين ناشر العالي للعلوم الصحية بأبين شاهدًا على عقود من العطاء في مجال التأهيل الصحي، بعدما أسهم منذ تأسيسه في تخريج مئات الكوادر التي رفدت المستشفيات والمراكز والوحدات الصحية في المحافظة ومحافظات أخرى.
غير أن هذا الصرح التعليمي العريق يواجه اليوم تحديات متراكمة، أبرزها تدهور البنية التحتية، ونقص التجهيزات، وغياب الموازنة التشغيلية، إلى جانب تزايد أعداد الطلاب بما يفوق قدرته الاستيعابية، فضلًا عن الصعوبات التي تواجه طلاب السكن الداخلي.
وفي استطلاع ميداني، وقفنا على واقع المعهد واحتياجاته، واستمعنا إلى إدارته ومسؤولي السكن الداخلي وأحد أعضاء هيئة التدريس في تخصص التغذية الصحية، ورصدنا جانبًا من العملية التعليمية والتطبيق العملي الذي يواصل الطلاب تلقيه رغم شح الإمكانيات.
*من تخصصين إلى ستة.. مسيرة عطاء تواجه تحديات الواقع*
استهل الدكتور محمد عبدالله جمباء، مدير فرع المعهد، حديثه باستعراض تاريخ هذا الصرح، موضحًا أن بداياته تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، حين انطلقت الدراسة فيه بتخصصي التمريض والقبالة، قبل أن يتوسع نشاطه التعليمي تدريجيًا ليضم اليوم ستة تخصصات صحية.
وأكد جمباء أن المعهد أسهم على مدى سنوات في تأهيل مئات الكوادر الصحية من أبناء أبين ومحافظات أخرى، التحقوا بالعمل في المستشفيات والمراكز والوحدات الصحية، وأسهموا في رفد القطاع الصحي بالكوادر الوسطية المؤهلة.
وأضاف أن المعهد كان يمتلك في السابق وسائل تعليمية وتجهيزات ومعدات إيضاحية حديثة، غير أن حربي عامي 2011 و2015 تسببتا، بحسب إفادته، في نهب وتدمير معظم محتوياته، بما في ذلك الأثاث والتجهيزات التعليمية، حتى الكراسي والطاولات.
وأوضح أن استئناف العملية التعليمية جاء بجهود ذاتية من إدارة المعهد، وبالتنسيق مع السلطة المحلية ومكتب التربية والتعليم بمديرية خنفر، مشيدًا بدور مدير المكتب الأستاذ محمود سبعة، الذي وفر أعدادًا من الطاولات المدرسية، ما ساعد على إعادة الدراسة واستمرارها رغم محدودية الإمكانيات.
وقال جمباء إن الإدارة بدأت العمل من الصفر، في محاولة لإعادة الحياة إلى هذا الصرح الصحي وتجاوز آثار الدمار الذي لحق به.
*327 طالبًا وستة تخصصات.. ضغط يفوق الطاقة الاستيعابية*
وعن واقع الدراسة وأعداد الملتحقين، أوضح مدير المعهد أن عدد الطلاب والطالبات خلال العام الدراسي 2026–2027 بلغ 327 طالبًا وطالبة، مقارنة بـ240 طالبًا وطالبة في العام الدراسي السابق 2025–2026، ما يعكس زيادة ملحوظة في أعداد الملتحقين.
وتشمل التخصصات الحالية:
مساعد طبيب عام.
مساعد طبيب أسنان.
التمريض التقني.
القبالة التقنية.
المختبرات الطبية.
الصيدلة.
وأشار جمباء إلى أن التوسع في التخصصات وإقبال الطلاب من مختلف مديريات المحافظة، ولا سيما المديريات النائية مثل سرار ورصد وسباح وأحور ومودية ولودر والمحفد وجيشان، أديا إلى ضغط كبير على القاعات الدراسية ومرافق المعهد.
وأوضح أن بعض القاعات تضم نحو 110 طلاب، وهو عدد يفوق القدرة الاستيعابية المناسبة، الأمر الذي يجعل إنشاء قاعات دراسية إضافية وتأثيثها ضرورة ملحة لضمان بيئة تعليمية أفضل.
وأضاف أن المعهد بحاجة كذلك إلى قاعة مخصصة للندوات والمؤتمرات العلمية، وأجهزة حاسوب حديثة، وشاشات عرض، ولوحات تعليمية ومعدات مختبرية تواكب التطورات في مجال التعليم الصحي.
*غياب الموازنة التشغيلية منذ أكثر من عشر سنوات*
ولا تقتصر معاناة المعهد على نقص المباني والتجهيزات؛ إذ أكد مديره أنه يفتقر إلى موازنة تشغيلية منذ أكثر من عشر سنوات، ما يضع الإدارة أمام صعوبات مستمرة في تسيير العمل وتوفير متطلبات الدراسة والتدريب.
وقال جمباء إن الرسوم الدراسية التي يجري تحصيلها لا تفي بالاحتياجات الفعلية، رغم حرص الإدارة على استمرار العملية التعليمية وعدم حرمان الطلاب من فرص التأهيل.
وأشار إلى أن الإدارة خفضت رسوم الدراسة في نظام الموازي من 400 ألف ريال سنويًا إلى 300 ألف ريال، مراعاةً للظروف الاقتصادية والمعيشية، مع منح استثناءات لبعض الطلاب الذين يواجهون ظروفًا مادية صعبة، بعد دراسة كل حالة على حدة.
وشدد على أن توفير موازنة تشغيلية منتظمة، إلى جانب إعادة تأهيل المباني وتحديث التجهيزات، يمثلان أساسًا لاستقرار العمل وتطوير جودة التعليم والتدريب في المعهد.
*تطبيق عملي رغم شح الإمكانيات*
وخلال جولتنا في أروقة المعهد وقاعاته الدراسية، اصطحبنا الإعلامي أيمن مزاحم في جولة ميدانية اطلعنا خلالها على جانب من العملية التعليمية، وشاهدنا حصة تطبيقية لطلاب تخصص مساعد طبيب عام، تضمنت معاينة المرضى وإجراء الفحوصات الأولية.
ولاحظنا اهتمام الطلاب بالتطبيق العملي واكتساب المهارات اللازمة لممارسة العمل الصحي، رغم محدودية الإمكانيات والتجهيزات المتاحة.
وأوضح أحد أعضاء الهيئة التدريسية أن الدراسة لا تقتصر على الجانب النظري، بل تتطلب تطبيقًا عمليًا مصاحبًا للدروس، إلى جانب التدريب الميداني في المستشفيات خلال السنوات النهائية، بما يساعد الطلاب على اكتساب الخبرة العملية والاستعداد للانخراط في سوق العمل.
ويؤكد هذا الجانب أهمية توفير المختبرات والأجهزة والوسائل التعليمية الحديثة، حتى يتمكن الطلاب من تطبيق ما يتلقونه نظريًا وفق المعايير المطلوبة في التأهيل الصحي.
*السكن الداخلي.. 45 طالبًا ومعاناة مع المياه والتغذية*
ومن داخل السكن الطلابي، تحدث الأستاذ ريجي حسين دباء، مسؤول السكن الداخلي، عن الصعوبات التي تواجه الطلاب القادمين من المديريات البعيدة، والبالغ عددهم نحو 45 طالبًا، مشيرًا إلى معاناتهم من انقطاع المياه في أوقات متكررة ومحدودية الوجبات الغذائية المقدمة لهم.
وأوضح دباء أن السكن لا يمتلك مخصصًا ماليًا كافيًا لتغطية احتياجات التغذية، لافتًا إلى أن قائد قوات الحزام الأمني القائد الراحل عبداللطيف السيد الذي وجه بإعتماد وجبات غذائية لطلاب القسم الداخلي ولكنها غير كافية،مقارنة بعدد الطلاب
وأعرب عن أمله في أن تستجيب قيادة قوات الأمن الوطني حاليا ، بقيادة العقيد السنيدي، للوعود المتعلقة بزيادة حصة التغذية، بما يضمن توفير الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية للطلاب المقيمين في السكن.
كما أشار إلى استمرار مشكلة نقص الأثاث والطاولات داخل القاعات الدراسية، موضحًا أن بعض الطاولات التي يستخدمها الطلاب وفرها مكتب التربية والتعليم بمديرية خنفر بعد تعرض المعهد للنهب والتدمير خلال حرب عام 2015.
وأكد دباء أن بعض الطاولات يستخدمها أكثر من ثلاثة طلاب، في مشهد يعكس حجم النقص في الأثاث والإمكانات، داعيًا الجهات المعنية إلى دعم المعهد والسكن الداخلي وتوفير احتياجاتهما الأساسية.
وشدد مسؤول السكن على أهمية زيارة محافظ أبين للمعهد والاطلاع المباشر على أوضاع القاعات الدراسية والسكن الطلابي ونقص التجهيزات، معتبرًا أن هذه الخطوة قد تسهم في تحريك جهود الدعم والمعالجة.
*الدكتور فيزان سنان بن نعم: دعم المعهد ضرورة لتطوير التعليم الصحي*
من جانبه، دعا الدكتور فيزان سنان بن نعم عضو هيئة التدريس بالمعهد، أستاذ التغذية الصحية، إلى دعم معهد أمين ناشر للعلوم الصحية في مدينة جعار، وتوفير احتياجاته الأساسية من البنية التحتية والتجهيزات، بما يمكّنه من تطوير العملية التعليمية ومواكبة المعاهد الصحية الأخرى.
وأكد بن نعم أن المعهد يستقبل طلابًا وطالبات من مختلف مديريات المحافظة، بما فيها المناطق النائية، ويسهم في تأهيل كوادر صحية في تخصصات المساعد الطبي والتمريض والمختبرات والقبالة، ترفد القطاعين العام والخاص.
وأشار إلى أن عددًا من خريجي المعهد يعملون في مستشفيات ومؤسسات صحية مختلفة، الأمر الذي يعزز أهمية الاهتمام بمخرجاته التعليمية وتوفير الظروف الملائمة لاستمرار رسالته.
وطالب الجهات الصحية والمستشفيات المرتبطة بالمعهد بتوفير فرص التدريب والتطبيق العملي للطلاب والطالبات، وإتاحة فرص العمل أمام الخريجين والخريجات، داعيًا وزارة الصحة والجهات المعنية إلى توفير متطلبات المعهد الأساسية لتعزيز قدرته على تأهيل كوادر صحية تلبي احتياجات المحافظة.
كما شدد على أهمية إتاحة فرص الالتحاق بالمعهد لذوي الاحتياجات الخاصة، والنظر في تخفيض الرسوم الدراسية لهم، إلى جانب مراعاة بعض الحالات الإنسانية بصورة استثنائية، مؤكدًا أهمية الكادر الطبي الوسطي في دعم الخدمات الصحية.
*رسالة إلى وزارة الصحة.. أعيدوا تأهيل المعهد وطوّروا مخرجاته*
وجّه القائمون على المعهد رسالة إلى قيادة وزارة الصحة العامة والسكان، دعوا فيها إلى الاهتمام بهذا الصرح التعليمي والعمل على إعادة تأهيل بنيته التحتية وتطويرها وفق معايير الجودة، وتوفير التجهيزات الحديثة اللازمة للتعليم والتدريب.
وشددوا على أهمية رفد المعهد بكوادر صحية وتعليمية مؤهلة، ومعالجة النقص الناتج عن إحالة عدد من الكوادر إلى التقاعد، بما يضمن استمرار العملية التعليمية ورفع مستوى التدريب النظري والعملي.
وأكدوا أن الكوادر الصحية الوسطية تمثل عنصرًا أساسيًا في تحسين الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين، وأن الاستثمار في تأهيلها وتطوير مهاراتها يشكل استثمارًا في رأس المال البشري والقطاع الصحي عمومًا.
وأشار القائمون على المعهد إلى أن عددًا من خريجيه يعملون في المستشفيات والمراكز الطبية الحكومية والخاصة، فيما التحق بعضهم بمؤسسات صحية خارج اليمن، وهو ما يؤكد، بحسب إفادتهم، أهمية وكفاءة المخرجات التعليمية للمعهد والحاجة إلى الحفاظ على مستوى تأهيلها وتطويره.
*مناشدة إلى محافظ أبين لزيارة المعهد والوقوف على احتياجاته*
وفي ختام حديثه، وجّه الدكتور محمد عبدالله جمباء دعوة إلى محافظ محافظة أبين، اللواء الدكتور مختار بن الخضر الرباش، لزيارة المعهد والاطلاع ميدانيًا على أوضاعه واحتياجاته، أو إتاحة الفرصة لإدارته للقائه وعرض أبرز التحديات التي تواجه العمل.
وأوضح جمباء أن الدعوة نُقلت إلى نائب المحافظ والأمين العام للمجلس المحلي، الأستاذ مهدي الحامد، لإبلاغها للمحافظ، معربًا عن أمله في أن تحظى المناشدة باهتمام قيادة السلطة المحلية.
وتأتي هذه المناشدة في ظل ما يواجهه المعهد من نقص في القاعات الدراسية والأثاث والتجهيزات، وغياب الموازنة التشغيلية، فضلًا عن احتياجات السكن الداخلي، وهي تحديات تتطلب، بحسب إدارة المعهد، تدخلًا من الجهات المعنية لضمان استقرار العملية التعليمية وتحسين بيئة التدريب.
صرح صحي يستحق الالتفات
إن واقع معهد أمين ناشر العالي للعلوم الصحية في أبين يضع الجهات المعنية أمام مسؤولية الاهتمام بمؤسسة تعليمية أسهمت لعقود في إعداد الكوادر الصحية، وما تزال تستقبل مئات الطلاب والطالبات رغم التحديات التي تواجهها.
وبين قاعات مكتظة، وتجهيزات محدودة، وغياب الموازنة التشغيلية، ومعاناة طلاب السكن الداخلي، تبرز الحاجة إلى تدخل جاد يعيد تأهيل المعهد، ويوفر متطلبات التعليم والتدريب، ويدعم الكادر التعليمي، ويضمن بيئة مناسبة للطلاب.
فإعادة الاعتبار لهذا الصرح لا تعني ترميم المباني وتوفير الأثاث فحسب، بل تعني أيضًا دعم التعليم الصحي وتأهيل كوادر قادرة على الإسهام في تحسين الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين في أبين والمحافظات الأخرى.
ويبقى الأمل معقودًا على استجابة قيادة السلطة المحلية ووزارة الصحة والجهات الداعمة، لإنقاذ هذا الصرح من واقعه الحالي، وتمكينه من مواصلة رسالته التعليمية والصحية.