آخر تحديث :الخميس-08 أكتوبر 2026-09:29م
وثائقيات


سنان بن نعم.. حكاية صوتٍ من أبين «الخير والعطاء»

سنان بن نعم.. حكاية صوتٍ من أبين «الخير والعطاء»
الخميس - 08 أكتوبر 2026 - 08:29 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

هناك أصواتٌ تعبر أثير الإذاعة ثم تمضي، وأصواتٌ أخرى تستقر في ذاكرة الناس، فلا تغيب مهما تعاقبت السنوات وتبدلت المنابر.

ومن بين الأصوات التي ارتبطت بذاكرة محافظة أبين، يبرز اسم سنان عبد الله محمد بن نعم؛ الإعلامي والإذاعي والصحفي الذي امتدت مسيرته المهنية قرابة نصف قرن، وظل خلالها قريبًا من الناس، حاضرًا في قضاياهم، ومعبّرًا عن هموم مجتمعهم وتطلعاته.

كان سنان بن نعم واحدًا من أبرز القامات الإعلامية والإذاعية في أبين واليمن، وعمل عبر عدد من المنابر الإعلامية، من بينها إذاعة أبين المحلية، وإذاعة عدن، وإذاعة صنعاء، وراديو «هنا أبين». وكرّس جانبًا كبيرًا من تجربته لمناقشة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، وإيصال صوت المواطن إلى المسؤول والمجتمع.

ولم يكن حضوره الإعلامي مجرد وقوف خلف ميكروفون، بل كان رسالةً آمن بها، ومهنةً مارسها بحب وإخلاص، حتى ارتبط اسمه بعبارة ظلت حاضرة في ذاكرة مستمعيه:

«أبين الخير والعطاء».

من الدرجاج بدأت الحكاية

في قرية الدرجاج بمديرية خنفر محافظة أبين، وُلد سنان عبد الله محمد بن نعم عام 1956م. وفي هذه القرية نشأ وترعرع، ومنها بدأت خطواته الأولى في التعليم والحياة العامة، قبل أن تقوده الأيام إلى عالم الصحافة والإذاعة.

تلقى تعليمه الابتدائي في الدرجاج، ثم واصل دراسته المتوسطة في زنجبار، وانتقل بعد ذلك إلى عدن، حيث التحق بالمعهد التدريبي للمعلمين التابع لليونسيف في مدينة الشعب، وحصل عام 1972م على دبلوم في اللغة الإنجليزية.

وفي الدرجاج لم تكن بداياته التعليمية والمهنية وحدها، فقد ارتبط بها ارتباطًا أسريًا وإنسانيًا عميقًا، فتزوج من القرية، ورُزق بولدين وبنتين، وظلت الدرجاج بالنسبة إليه موطن الطفولة والذكريات والأسرة، ومكان البداية والنهاية.

شابٌّ في المجتمع.. وصوتٌ يتشكل مبكرًا

منذ سنوات شبابه، كان سنان بن نعم حاضرًا في محيطه الاجتماعي والثقافي والشبابي، ولم يكن بعيدًا عن النشاط العام.

تولى عددًا من المسؤوليات، من بينها رئاسة اللجنة النقابية لمدارس دائرة جعار عبر عثمان الدرجاج، ورئاسة الاتحاد الوطني للطلاب في الدرجاج، وسكرتارية منظمة «أشيد» في الدرجاج، ورئاسة حي الشهيد بن نعم.

كما شارك في النشاط الثقافي والتمثيلي والمسرحي، وأسهم في تقديم الاحتفالات والتعليق على المهرجانات والفعاليات المختلفة في محافظة أبين.

وكانت تلك التجارب المبكرة بمثابة المدرسة الأولى التي صقلت شخصيته، ومنحت صوته الثقة والحضور، ومهّدت له الطريق نحو عالم الإعلام.

من معلّم إلى رجل إذاعة

بدأ سنان بن نعم حياته المهنية معلّمًا في جعار ثم في الدرجاج، غير أن شغفه بالإعلام كان أكبر، فقادته خطواته إلى عالم الصحافة والإذاعة.

وفي عام 1973م، كان من بين المشاركين في تأسيس إذاعة الشعب المحلية، التي عُرفت لاحقًا باسم إذاعة أبين المحلية، إلى جانب عدد من زملائه، ومنهم أحمد رمضان وأحمد فضل العبسي.

ومنذ تلك البداية، لم يكن سنان مجرد مذيع يقف أمام الميكروفون، بل كان أحد الذين أسهموا في بناء تجربة الإذاعة المحلية في أبين.

وتولى إدارة الإذاعة منذ تأسيسها عام 1973م وحتى عام 1986م، إلى جانب عمله معدًا ومقدمًا ومذيعًا للبرامج.

جمع بين الإدارة والعمل الإذاعي، وبين إعداد البرامج وتقديمها، ونقل الأخبار والتقارير، وإدارة المسابقات والحوارات والبرامج الثقافية والجماهيرية والطلابية.

وهكذا أصبح الميكروفون جزءًا من حياته، وأصبحت الإذاعة نافذة يطل منها على المجتمع، ينقل من خلالها الخبر، ويطرح القضية، ويمنح الناس مساحةً للتعبير.

حين أُغلقت الإذاعة.. لم يُغلق الصوت

لم تنتهِ حكاية سنان بن نعم بانتهاء محطة إذاعية.

فعندما أُغلقت إذاعة أبين المحلية، حمل الرجل معه سنوات طويلة من الخبرة، وإيمانًا راسخًا بأن الإعلام الحقيقي لا يتوقف بتغير المنابر، وأن صوت المواطن يجب أن يجد دائمًا طريقه إلى الناس.

وانتقل إلى راديو «هنا أبين»، حيث عمل معدًا ومقدمًا للبرامج، مواصلًا رسالته الإعلامية، ومقتربًا من قضايا المجتمع الأبيني وهموم المواطنين.

ومن أبرز ما ارتبط بحضوره هناك برنامج «بأصواتهم»، وهو عنوان يختصر جانبًا مهمًا من فلسفته الإعلامية؛ فالميكروفون لم يكن لصوت الإعلامي وحده، بل كان مساحةً لأصوات الناس وقضاياهم.

أُغلقت إذاعة أبين المحلية، لكن صوت سنان لم يُغلق.

حمل صوته من أثير إلى أثير، ومن منبر إلى آخر، وظل وفيًا لفكرة أن الإعلام رسالة، وأن الناس وقضاياهم هم جوهر هذه الرسالة.

صوتٌ تجاوز حدود أبين

مع اتساع تجربته الإعلامية، تجاوز حضور سنان بن نعم حدود الإذاعة المحلية، فعمل بصفة رسمية مراسلًا لإذاعتي عدن وصنعاء، ناقلًا الأخبار والتقارير والموضوعات المتعلقة بمحافظة أبين إلى جمهور أوسع.

كما كان حاضرًا في الصحافة المحلية، فكتب الأخبار والمقالات والموضوعات المختلفة، ومن أبرز أعماله الصحفية زاوية «عابر سبيل»، التي كانت تنشر أسبوعيًا في مجلة أبين، ثم في صحيفة 14 أكتوبر، إلى جانب إسهاماته في صحيفة صوت العمال.

وهكذا جمع في مسيرته بين أدوار متعددة:

المذيع، والمراسل، والصحفي، والمعد، ومقدم البرامج، والمعلّق على الفعاليات والمهرجانات.

وكان هذا التنوع أحد أسرار حضوره الإعلامي واستمراره.

«أبين الخير والعطاء».. عبارة أصبحت هوية

لكل إعلامي بصمته، ولكل صوت عبارة قد تظل عالقة في ذاكرة المستمعين.

أما سنان بن نعم، فقد ارتبط اسمه بعبارة:

«أبين الخير والعطاء».

كانت هذه العبارة هويةً صوتية ارتبطت بتقديمه لبرامجه ورسائله عبر أثير إذاعتي صنعاء وعدن، حتى أصبحت جزءًا من صورته الإعلامية وذاكرة مستمعيه.

ومع مرور السنوات، أُطلقت عليه أو ارتبط اسمه بعدد من الأوصاف والألقاب، منها:

عميد الإعلاميين

عاشق الميكروفون

كروان أبين

شيخ الإعلاميين

صوت أبين

صوت أبين الصدّاح

أبين الخير والعطاء

ولم تأتِ هذه الأوصاف من فراغ، وإنما كانت انعكاسًا لمسيرة طويلة من الحضور والتواصل والعمل الإعلامي.

برامج بقيت في ذاكرة المستمعين

خلال رحلته الطويلة، أعدّ سنان بن نعم وقدم وشارك في تقديم عدد كبير من البرامج الإذاعية، تنوعت بين الأخبار والثقافة والمجتمع والأسرة والشأن العام.

ومن أبرز البرامج التي ارتبط اسمه بها:

في ربوع السعيدة

أنباء وتقارير

بأصواتهم

متابعات إخبارية

الأسرة

إذاعة أبين في رمضان

كانت هذه البرامج نوافذ للأخبار والحوار والثقافة والمسابقات والموضوعات الجماهيرية، لكنها قبل ذلك كانت جسورًا بين الإعلام والمجتمع.

ووفق البيانات المتداولة عنه، فقد أعد وأذاع 15,925 رسالة وتقريرًا إخباريًا صوتيًا خلال الفترة من 1996م إلى 2015م.

وراء هذا الرقم الكبير سنوات طويلة من العمل، وساعات لا تُحصى خلف الميكروفون، ورسائل وتقارير وأخبار حملت صوت أبين إلى المستمعين.

إعلامي لم يتوقف عن التعلم

رغم خبرته الطويلة، لم يكتفِ سنان بنعم بما اكتسبه من الممارسة، بل ظل حريصًا على تطوير أدواته الإعلامية والمهنية.

شارك في عدد من الدورات التدريبية داخل اليمن وخارجه، ومن بينها دورة إعلامية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، حصل خلالها على دبلوم في الصحافة والإعلام، كما شارك في دورة تدريبية بالقاهرة في مجال إعداد البرامج الإخبارية.

وتلقى كذلك دورة في الهندسة الإذاعية في إذاعة عدن، ودورة لـ«بي بي سي» في عدن، إلى جانب عدد من الدورات في مجالات الإذاعة والتلفزيون في عدن ولحج وصنعاء.

وهكذا لم تكن تجربته مبنية على الموهبة والممارسة فقط، بل اقترنت بالرغبة المستمرة في التعلم والتطوير.

خمسة عقود خلف الميكروفون

امتدت رحلة سنان بن نعم الإعلامية قرابة نصف قرن، كان خلالها حاضرًا في الاستوديو وخارجه.

فإلى جانب عمله الإذاعي والصحفي، كان مقدمًا للاحتفالات، ومعلّقًا على المهرجانات، وعضوًا في اللجان الإعلامية للفعاليات بمحافظة أبين، وحاضرًا في المناسبات العامة والثقافية والإعلامية.

ووفق البيانات المتداولة عنه، حصل خلال مسيرته على 261 شهادة تقديرية من مرافق ومؤسسات وجهات مختلفة، بينها السلطة المحلية.

لكن قيمة الإنسان الإعلامي لا تختصرها الشهادات والأرقام؛ فالأثر الحقيقي يبقى في ذاكرة الناس، وفي الأصوات التي عرفته وألفت حضوره، وفي الأجيال التي ارتبطت ذاكرتها بصوته القادم من المذياع.

حين يصبح الإعلام ذاكرة

مع مرور الزمن، لم يعد سنان بن نعم مجرد مذيع يقدم برنامجًا ثم ينتهي دوره بانتهاء الحلقة.

لقد أصبح جزءًا من ذاكرة الإذاعة والإعلام في أبين.

جيل كامل من المستمعين عرف صوته، وتابع برامجه، واستمع إلى أخباره وتقاريره، وشاهده مقدمًا للمناسبات والمهرجانات.

ومن هنا جاءت مكانته؛ فالإعلام بالنسبة إليه لم يكن وظيفة تؤدى فحسب، بل كان رسالةً ومساحةً للتواصل مع الناس، ونقل قضاياهم، والاستماع إليهم، وإبقاء همومهم حاضرة في المشهد العام.

وربما كان برنامج «بأصواتهم» من أكثر العناوين دلالةً على هذه التجربة؛ إذ كان صوت سنان حاضرًا، لكنه في الوقت ذاته كان يفتح الميكروفون أمام أصوات الآخرين.

الرحيل.. وانطفاء الميكروفون وبقاء الصوت

في يوم الاثنين 3 مارس 2025م، الموافق 3 رمضان 1446هـ، أسدل سنان بن نعم الستار على رحلته الطويلة، بعد معاناة مع مرض عضال.

رحل الرجل، لكن صوته لم يرحل.

وشُيّع في موكب رسمي وشعبي شارك فيه الوسط الإعلامي والمجتمعي والمكونات الوطنية في محافظة أبين، وسط حزن واسع على رحيل أحد الأصوات البارزة في تاريخ الإعلام والإذاعة بالمحافظة.

ووُري جثمانه الثرى في مسقط رأسه بقرية الدرجاج؛ القرية التي وُلد فيها، ونشأ بين أهلها، وتزوج منها، ورُزق فيها بولدين وبنتين، ومنها بدأت حكايته، وإليها عاد في نهاية الرحلة.

من الدرجاج إلى أثير الإذاعة.. ثم إلى ذاكرة أبين

هكذا بدأت الحكاية من الدرجاج.

شابٌ بدأ حياته معلّمًا، وانخرط في العمل الشبابي والثقافي، ثم قادته خطواته إلى عالم الصحافة والإذاعة.

ومنذ تأسيس إذاعة الشعب عام 1973م، أصبح واحدًا من الذين أسهموا في صناعة تجربة الإذاعة المحلية في أبين، مديرًا ومعدًا ومقدمًا ومذيعًا، ثم واصل مشواره مراسلًا وصحفيًا ومقدمًا للبرامج، وحمل خبرته إلى راديو «هنا أبين» عندما أُغلقت إذاعة أبين المحلية.

لم يكن سنان بن نعم مجرد رجل عاش مع الميكروفون، بل عاش للصوت الذي يحمله الميكروفون:

صوت الخبر

وصوت المجتمع

وصوت المواطن

وصوت أبين

ولهذا، حين يُذكر اسمه اليوم، فإن كثيرًا من أبناء أبين لا يتذكرون مجرد إعلامي، وإنما يتذكرون صوتًا كان يأتيهم من المذياع، فيقول:

«أبين الخير والعطاء».

غادر الصوت الميكروفون، لكن الميكروفون لم يغادر ذاكرة أبين.

سنان عبد الله محمد بن نعم.. سيرة إعلامي، وحكاية صوت، وذاكرة أبين.

كلمة شكر وتقدير

وفي ختام هذه السيرة التوثيقية، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الدكتور فيزان بن نعم، نجل الإعلامي الراحل سنان عبد الله محمد بن نعم، على ما تفضل به من معلومات قيمة ومادة توثيقية مهمة حول حياة والده ومسيرته التعليمية والمهنية والإعلامية.

لقد أسهمت هذه المعلومات في إضاءة جوانب مهمة من حياة رجل أفنى عقودًا من عمره في خدمة الإعلام والمجتمع، وكان صوتًا حاضرًا في ذاكرة أبين وأبنائها.

والشكر موصول لكل من أسهم في حفظ سيرة الراحل وتوثيق عطائه، ولكل من عرفه وعمل معه واحتفظ بذكرى طيبة عنه.

رحم الله سنان بن نعم رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وحفظ أبناءه وأسرته ومحبيه، وجعل ما قدمه من عطاء وإخلاص في ميزان حسناته.

إعداد وتوثيق:

د. رقيب أحمد محسن عسيري