مقال لـ: طاهر حنش أحمد السعيدي
هناك أماكن في حياتنا لا نستطيع أن نمر بها مروراً عابراً، لأنها ليست مجرد أمكنة؛ بل هي جزء من أعمارنا، وذاكرة لأيامنا، ورفاق صامتون يعرفون عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا.
ومدرسة المنصورة بالرباط واحدة من تلك الأماكن التي كلما عدت إليها، شعرت أنني لا أدخل مبنى مدرسياً، وإنما أدخل صفحة من كتاب العمر.
أقف أمامها اليوم، وبعد أن مضى أكثر من نصف قرن على بداية علاقتي بها، فأجد الذاكرة تستعيد تفاصيلها واحدة تلو الأخرى؛ وقد يسألني البعض:
لماذا كل هذا الاهتمام بمدرسة المنصورة دون غيرها من مدارس المديرية؟
وأقول لهم ببساطة: لأنني لم أكن يوماً مجرد زائر لها.
لقد كنت واحداً من أبنائها، تعينت معلماً ونائباً لمديرها، كما كنت مرشداً لفرقة الطلائع الثورية، ومسؤولاً أيديولوجياً لمنظمة أشيد الطلابية، ثم سكرتيراً أول لها، واستمرت تلك التجربة ثلاثة أعوام. تخللتها نشاطات داخل المنطقة، منها تدريس صفوف محو الأمية للنساء، والمشاركة باللجان الانتخابية النيابية عام 78م، وكذا التعداد العام للسكان والمساكن والمباني والمنشآت للأعوام 88م و94م أثناء عملي الإداري. ثم لم تنقطع صلتي بالمدرسة بعد انتقالي إلى العمل في الدائرة الفنية موجهاً فنياً في مكتب التربية رصد؛ فقد كنت أزورها باستمرار في الزيارات التوجيهية، وأتابع شؤونها وأداءها التربوي.
ثم شاءت الظروف أن تعود علاقتي بالمدرسة مرة أخرى من باب آخر، حين عملت مندوباً للداعمين لإنقاذ التعليم، وأشرفت على عمل مدارس حمومة والمنصورة الرباط لأكثر من خمسة أعوام، وهكذا ظلت المنصورة ترافقني عبر مراحل العمر المختلفة.
من معلّم فيها، إلى موجّه يزورها، إلى مسؤول يتابع شؤون التعليم فيها، ثم إلى رجل يعود إليها اليوم محملاً بذكريات أكثر من خمسين عاماً.
حكاية بدأت على الأكتاف
حين نتحدث عن مدرسة المنصورة، لا ينبغي أن نبدأ من جدرانها، بل من أكتاف الرجال الذين حملوا بدايتها.
في مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين تم استجلاب خمس كونتيرات خشبية من عدن، ونُقلت إلى يهر. وكان على الأهالي أن يصنعوا المستحيل بإمكاناتهم المتواضعة. فحملوا مكونات المدرسة على أكتافهم من يهر إلى الرباط، عبر الجبال والعقاب، مروراً بجبل وعقبة الحرضة.
تخيلوا المشهد! لم يكونوا يحملون ألواحاً وأخشاباً فقط. كانوا يحملون مستقبل أبنائهم. كانوا يعرفون أن الطريق إلى المدرسة قد يكون شاقاً، لكن الطريق إلى الجهل أشد قسوة.
وفي 28 سبتمبر 1970م، تم وضع حجر الأساس للمدرسة بصورة رسمية، وبحضور أعلى هرم الدولة عبدالفتاح إسماعيل. ومن ذلك الحجر الأول بدأت حكاية لم تتوقف حتى اليوم.
مدرسة صنعتها المنطقة والأجيال
من أجمل ما يميز مدرسة المنصورة منذ تأسيسها وحتى الوقت الحاضر تناوب على إدارتها معلمون من خيرة أبنائها، في وقت كانت فيه إدارات كثير من المدارس تُسند إلى أشخاص من خارج المناطق.
وكان ذلك دليلاً على أن المنطقة لم تكن تستقبل التعليم فقط، بل كانت تنتج رجاله وكوادره.
أما مبنى المدرسة نفسه، فقد جاء تصميمه وفق مواصفات هندسية جيدة، وبمساحات ومقاسات تسمح بالتوسع الرأسي.
ولعل هذه النقطة تحمل رسالة إلى الحاضر: فالمدرسة التي صُممت بالأمس لتخدم أجيالاً، يمكن اليوم أن تتوسع لتخدم أجيالاً جديدة.
المنصورة أم المدارس
لم تكن مدرسة المنصورة مدرسة لحي أو قرية واحدة. لقد كان موقعها في قلب مناطق متعددة سبباً في أن تستقبل أبناء مكاتب السعدي واليهري واليزيدي في بدايات التقسيم الإداري. ولهذا أصبحت، مع مرور الزمن، أشبه بالأم التي تفتح أبوابها للجميع. وما أجمل هذا الاسم حين يكون وراءه تاريخ حقيقي!
فحتى اليوم لا تزال المدرسة تستوعب طلاباً من مدارس بينان والفلاح والجراجر في الصفوف الدنيا من التعليم الأساسي، بينما تمتد خدمات التعليم الثانوي إلى مناطق هرمان وحمومة والفلاح ولبوزة وشعب البارع.
وهذا يعني أن المدرسة لم تفقد دورها المركزي، رغم تغير الزمن وتعدد المدارس.
عزبة من المعلمين جاءت من كل الجهات
في سنواتها الأولى، لم يكن من السهل توفير المعلمين. فجاء إلى مدرسة المنصورة معلمون من عدن ولحج وأبين والضالع والصبيحة وكلد. ترك هؤلاء المعلمون مناطقهم وبيوتهم، وجاؤوا إلى الرباط يحملون رسالة التعليم. وفي إحدى السنوات وصل عدد أعضاء العزبة إلى 28 معلماً، موزعين على ثلاث عزب.
وهنا تستوقفني الذاكرة مرة أخرى.
فالمعلم في تلك الأيام لم يكن يؤدي حصته وينصرف فقط؛ كانت حياته مرتبطة بالمدرسة، والطلاب، والعزبة، والمجتمع. وكان المعلم يعيش بين الناس، يعرف أبناءهم، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويشعر أن نجاح الطالب جزء من نجاحه الشخصي.
تعليم البنات
بدأ التعليم في المدرسة مختلطاً في العام الدراسي 72 / 73م، واستمر كذلك حتى اليوم. وهذه ليست مجرد معلومة تاريخية.
فوراءها حكاية أجيال من البنات والأولاد جلسوا في مقاعد الدراسة نفسها، وتعلموا تحت سقف واحد، ومضوا بعد ذلك إلى ميادين الحياة المختلفة. وهكذا كانت المنصورة، منذ وقت مبكر، تؤدي دورها في توسيع دائرة التعليم أمام أبناء المجتمع وبناته.
التعليم الثانوي
وفي عام 91 / 92م اتسعت أبواب الحلم وبدأ التعليم الثانوي في المدرسة. كان ذلك تحولاً مهماً. فالتلميذ الذي كان يضطر إلى البحث عن مكان آخر لمواصلة دراسته، أصبح بإمكانه أن يواصل تعليمه في مدرسته وبين أهله وبيئته.
لكن التعليم الثانوي حمل معه مشكلة أخرى. فقد أصبح التوسع في المرحلة الثانوية يتم، في كثير من الأحيان، على حساب التعليم الأساسي، سواء من حيث المبنى أو المعلم، وهي مشكلة ظلت قائمة حتى وقتنا الحاضر.
وهنا لا بد أن نقول بوضوح:
المنصورة لا تحتاج إلى أن تختار بين الأساسي والثانوي؛ بل تحتاج إلى أن يتسع المبنى والإمكانات لكليهما. فالمدرسة التي خدمت كل هذه المناطق طوال عقود تستحق أن تحصل على ما يتناسب مع حجم رسالتها.
مدرسة لا ينبغي أن تشيخ
بعد أكثر من خمسين عاماً، لا أريد أن أرى مدرسة المنصورة مجرد شاهد على الماضي. أريد أن أراها تواصل رسالتها إلى المستقبل.
فالمدرسة مهيأة لأن تكون مجمعاً دراسياً متكاملاً من خلال التوسع الرأسي وبناء دور ثانٍ فيها.
وهذه ليست فكرة ترفية. إنها حاجة فرضها الواقع، وكثرة الطلاب، واتساع المناطق التي تستفيد من المدرسة.
كلمة من القلب
أنا أكتب عنها لأنني أؤمن أن الأماكن التي صنعت الإنسان تستحق أن يكتب الإنسان عنها. وأكتب عنها لأنني عندما أقف في ساحتها، لا أتذكر المدرسة وحدها، وإنما أتذكر مرحلة من حياتي لا يمكن أن تتكرر.
ولهذا أقول:
رسالتي إلى كل من أحب مدرسة المنصورة، وكل من درس فيها، وكل من علّم فيها، وكل من يحمل لها في قلبه ذكرى: احفظوا ذاكرتها... وطوّروا حاضرها... وابنوا مستقبلها.
ويجب ألا يقتصر على الحفاظ على الموجود، بل ينبغي أن يتجه إلى توسيع الموجود وتطويره بما يتناسب مع حجم الرسالة التي تحملها المدرسة وحجم المناطق التي تخدمها.
فمدرسة المنصورة ليست ملك جيل واحد، إنها أمانة أجيال.