آخر تحديث :الإثنين-01 يونيو 2026-03:07ص
أخبار وتقارير


حنكة فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي

حنكة فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي
الإثنين - 01 يونيو 2026 - 02:06 ص بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

د. وضاح المحوري

عندما انتصر الدهاء على الحصار

في أحلك اللحظات التي مرت بها الدولة اليمنية، وفي قلب العاصفة التي كادت أن تعصف بالشرعية الدستورية، تجلّت حكمة الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي ودهاؤه السياسي الذي أذهل خصومه قبل مناصريه.

بعد اجتياح ميليشيا الحوثي للعاصمة صنعاء في سبتمبر 2014م، وجد الرئيس هادي نفسه محاصَراً في منزله. لم يكن الحصار عسكرياً فحسب، بل كان سياسياً ونفسياً أيضاً. وضع الحوثيون فخامة الرئيس عبدربه آنذاك أمام خيار واحد: التوقيع على اتفاقات تشرعن انقلابهم وتطعن الشرعية الدستورية في مقتل، أو البقاء رهينة تحت الإقامة الجبرية.

الكثيرون في موقفه كانوا سيرضخون تحت ضغط السلاح والتهديد؛ فالتوقيع يعني السلامة الشخصية، والرفض يعني المجهول. لكن هادي اختار طريقاً ثالثاً، لا يتقنه إلا القادة أصحاب النفس الطويل.

وهنا يظهر الدهاء في مواجهة القوة، حيث رفض الرئيس التوقيع رفضاً قاطعاً. لم يكن رفضاً انفعالياً أو لحظياً، بل كان قراراً استراتيجياً محسوباً. أدرك هادي أن توقيعه سيُسقط آخر أوراق الشرعية التي يمثلها، وسيمنح الانقلاب غطاءً قانونياً يبحث عنه.

وبدلًا من المواجهة المباشرة التي قد تكلفه حياته، لجأ إلى السلاح السياسي المجرّب: الصبر والمناورة. كان يماطل ويتفاوض ويكسب الوقت، ويُظهر اللين أحياناً حتى يظن محاصروه أنهم اقتربوا من إخضاعه، ثم يعود إلى الصلابة في اللحظة الحاسمة. كان يدرك أن الزمن في صالح من يملك الشرعية، وأن خصومه متعجلون لشرعنة ما لا يمكن شرعنته.

وبينما كان الحوثيون يظنون أنهم أحكموا الخناق، كان فخامة الرئيس هادي يخطط بهدوء لخطوته القادمة. ففي 21 فبراير 2015م، وفي عملية وُصفت بأنها من أعقد العمليات الأمنية، تمكن من كسر طوق الحصار والخروج من صنعاء متجهاً إلى عدن.

لم يكن خروجه مجرد هروب من الأسر، بل كان إعلاناً بفشل مخطط الانقلاب في احتواء الشرعية. وبوصوله إلى عدن، استعاد الرئيس قدرته على الحركة والقرار، وأعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد، موجهاً ضربة سياسية قاصمة للحوثيين الذين ظنوا أنهم بإحكام قبضتهم على صنعاء قد أنهوا اللعبة.

وهنا تتجلى أمامنا دروس الحنكة الهادوية، وأولها أن الشرعية لا تُوقّع على إعدامها، إذ رفض هادي أن يكون الجسر الذي يعبر عليه الانقلاب إلى الشرعية، وحافظ على النص الدستوري حتى وهو تحت الحصار.

ثانياً: الصبر سلاح القائد، فلم يستعجل المواجهة ولم ينجرّ إلى استفزازات الحوثيين، وأدرك أن معركة النفس الطويل هي التي تكسب الحرب، فكان يمتص الضغط ويعيد ترتيب أوراقه بصمت. فالدهاء أحياناً أن تعرف متى تصمت، ومتى تتكلم، ومتى تنسحب لتعود أقوى.

ثالثاً: تحويل الأزمة إلى فرصة، فلم يكن خروجه من صنعاء نهاية المطاف، بل بداية مرحلة جديدة، إذ حوّل عدن إلى مركز للشرعية، ومنها أعاد بناء مؤسسات الدولة واستنهض الإقليم والعالم لدعم اليمن. فالحصار الذي أُريد له أن يكون قبراً سياسياً تحوّل إلى منصة انطلاق.

رابعاً: الرهان على النفس الطويل، ففي الوقت الذي كان فيه خصومه يبحثون عن نصر سريع وحاسم، كان هادي يلعب لعبة الشطرنج، يضحي بمواقع مؤقتة ليحمي الملك (الشرعية الدستورية) ويكسب المعركة.

وأخيراً، يقدم هذا المشهد درساً في القيادة وقت المحن؛ فما فعله فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي في شتاء 2014م وخريف 2015م لم يكن مجرد نجاة شخصية، بل كان إنقاذاً لمشروع الدولة اليمنية من الانهيار الكامل. بصبره ودهائه ورفضه المساومة على الثوابت، أثبت أن القائد الحقيقي لا يُقاس بضجيج المعارك، بل بقدرته على اتخاذ القرار الصحيح تحت أقصى الضغوط.

لقد انتصر الدهاء على الحصار، وانتصرت الشرعية على فوهة البندقية، وظل هادي شاهداً على أن السياسة ليست دائماً صراخاً في الميادين، بل هي أحياناً همس حكيم في غرفة محاصرة ينتظر اللحظة المناسبة ليقلب الطاولة على الجميع.

فلم يكن خروجه من صنعاء فراراً، بل كان مناورة استراتيجية لرجل دولة قرأ المشهد جيداً، وأدرك أن الحفاظ على الشرعية أهم من الحفاظ على المقر. وهكذا يُكتب التاريخ، لا بأصوات الرصاص، بل بحكمة العقول التي تدير المعركة من خلف الستار.


الدكتور /وضاح صالح المحوري

مدير عام مكتب التربية والتعليم – م/ أبين