كتب/د. صلاح زيد جرهوم
في زمنٍ اختلطت فيه المواقف، وتبدّلت فيه الولاءات، وباتت الأوطان تُباع في أسواق المصالح، رحل رجلٌ ظلّ يحمل اليمن في قلبه، ويحمل وجع شعبه فوق كتفيه بصمت الكبار وصبر الحكماء.
رحل الرئيس عبدربه منصور هادي، لا تاركًا خلفه قصورًا من دماء، ولا خزائن ممتلئة بثروات شعبه، ولا سجلاتٍ مثقلة بالخيانة والانتقام، بل تاركًا سيرة رجلٍ عاش للجمهورية، ومات وفي قلبه اليمن.
لم يَظلِم أحدًا… ولم يجعل من السلطة سوطًا على رقاب الناس.
لم يَقتل… ولم تكن يداه ملطختين بدم الأبرياء.
لم يكن عنصريًا… ولا مناطقيًا… بل كان يرى اليمن وطنًا يتسع للجميع، شماله وجنوبه، شرقه وغربه.
لم ينهب ثروات البلاد… ولم يحوّل مؤسسات الدولة إلى ملكية خاصة أو إرث عائلي.
لم يتشبث بكرسي السلطة… ولم يختزل الوطن في شخصه، كما يفعل الطغاة حين يظنون أن البلاد تبدأ منهم وتنتهي عندهم.
لم يخن اليمن ولا شعبه… ولم يبع ميناءً، ولا جزيرةً، ولا ذرةً من تراب الوطن لأي دولة أو جهة خارجية.
ولم يقبل يومًا أن يكون تابعًا أو عميلًا لأحد، رغم كل العواصف والمؤامرات والضغوط التي أحاطت به من كل اتجاه.
عاش يمنيًا مخلصًا… ومات يمنيًا شريفًا…
كان رئيسًا لليمنيين جميعًا بلا استثناء، يحمل همّ الوطن أكثر مما يحمل همّ نفسه، ويؤمن أن الجمهورية ليست منصبًا، بل مسؤولية وتاريخ ومستقبل شعب.
ورغم قسوة المرحلة، وتعقيدات المشهد، والحروب التي عصفت بالبلاد، ظل — في نظر اليمنيين الشرفاء — رمزًا للوطن والجمهورية، وصوتًا للعقل في زمن الضجيج، ورجل دولةٍ حاول أن ينتشل اليمن من الحريق، لا أن يزيده اشتعالًا.
قد يختلف الناس في السياسة، لكن الرجال تُقاس مواقفهم حين تتساقط الأقنعة، وحين يتكلم التاريخ بإنصاف، سيبقى اسم عبدربه منصور هادي حاضرًا في ذاكرة اليمن كواحدٍ من الرجال الذين حملوا الوطن بإخلاص، ورحلوا دون أن يطعنوه في ظهره.
عبدربه منصور هادي، رجل الجنوب الأول، ورجل اليمن الأول.
رحم الله الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم اليمن وأهلها الصبر والسلوان.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.