أبين – كتب: عوض آدم
ارتفعت أصوات الدعاء اليوم، عقب صلاة الجمعة، من مآذن المحافظات المحررة، حيث أدى المصلون صلاة الغائب على روح الرئيس الأسبق المشير عبدربه منصور هادي، في مشهد وفاء شعبي لرجل ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ اليمن الحديث.
وفي محافظة أبين، مسقط رأس الفقيد، كنا حاضرين لنشهد هذا الموقف الجليل في مسجد السلام بمدينة جعار، مديرية خنفر. وأُقيمت صلاة الغائب في المحافظة بتوجيهات من الأخ الدكتور مختار الرباش، محافظ أبين، تأكيداً على مكانة الفقيد وتقديراً لدوره الوطني.
اكتظت ساحات المسجد بالمشايخ والأعيان والمواطنين، وتقدم الصفوف الشيخ فهد أبو العز، مدير مكتب الأوقاف والإرشاد بالمديرية، إلى جانب جموع المصلين، الذين ابتهلوا إلى الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجزيه خيراً عما قدّم للوطن في أحلك الظروف.
مسيرة رجل دولة من الميدان إلى الرئاسة
لم يصل عبدربه منصور هادي إلى سدة الحكم مصادفة، بل بدأ حياته ضابطاً عسكرياً محنكاً عُرف بالانضباط والهدوء، وتدرّج في المناصب حتى تولى وزارة الدفاع، ثم نائباً للرئيس، وصولاً إلى رئاسة الجمهورية في مرحلة انتقالية استثنائية فرضتها تحولات عام 2011 وما تلاها.
وقد تميّز أسلوبه بالصبر وضبط النفس، وتغليب لغة الحوار على المواجهة، حتى عندما وقفت البلاد على حافة الانهيار.
موقف تاريخي في مرحلة الانقسام
حين اختار الرئيس السابق علي عبدالله صالح التحالف مع جماعة الحوثي ودخول صنعاء في مسار الانقلاب، كان هادي من أوائل من اعتبروا ذلك خروجاً عن الشرعية الدستورية وانقلاباً على التوافق الوطني. وتمسّك بمؤسسات الدولة، ودفع ثمن موقفه تشريداً ونفياً، لكنه لم يتخلَّ عن ثوابت الجمهورية والوحدة التي آمن بها.
ولم يكن ذلك مجرد خصومة سياسية، بل انحيازاً واضحاً لمشروع الدولة في مواجهة مشروع الميليشيا، وسعياً للحفاظ على ما تبقى من النسيج الاجتماعي الذي مزقته الصراعات.
رجل توافق وأب للجميع
في زمن الاستقطاب الحاد، حاول الرئيس هادي أن يكون مظلة جامعة لكل المكونات، وتعامل مع مختلف الأطراف بمنطق الدولة لا بمنطق الانتقام، ورفض الانجرار إلى معارك جانبية تزيد من معاناة الناس.
وكان يؤمن بأن مخرج اليمن لا يتحقق إلا بتوافق وطني شامل يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
ومن هنا جاءت مكانته كرجل توافق، لم يخسر احترام خصومه بقدر ما كسب تقدير من خالفوه، لأنه لم يكن يبحث عن خصومة، بل عن مخرج للوطن.
رحيل يترك فراغاً لا يُسد
يمثل رحيل المشير عبدربه منصور هادي خسارة وطنية في مرحلة ما تزال بحاجة إلى صوت العقل والاتزان. فقد رحل رجل حاول أن يمنع انزلاق البلاد إلى المجهول، ودفع من صحته واستقراره الشخصي ثمناً لذلك الموقف.
وبينما ارتفعت التكبيرات اليوم من مساجد عدن وتعز وشبوة ومأرب وحضرموت والمهرة إلى مسجد السلام في جعار، بدا المشهد رسالة واحدة: اليمنيون لم ينسوا من وقف معهم في زمن الانهيار، ولم ينسوا ابن أبين الذي ظل متمسكاً بثوابت وطنه حتى الرمق الأخير.
رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه واليمنيين جميعاً الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.