أخطر ما يمكن أن يواجه أي مشروع وطني ليس الفقر، ولا الصراعات السياسية، بل العنصرية المقيتة حين تتسلل إلى العقول وتُقدَّم على أنها حق أو خصوصية. فالعنصرية لا تبني دولة، بل تهدمها قبل أن ترى النور.
إذا كنا نطمح إلى دولة حقيقية، فعلينا أن نكون صادقين مع أنفسنا؛ فالدولة لا تُدار بالمناطق ولا بالألقاب الجغرافية، بل بالكفاءة والنزاهة وحسن الأداء. لا معنى لدولة يُقصى فيها الإنسان فقط لأنه من محافظة أخرى، وكأن الأرض ضاقت بأبنائها.
نحن أبناء أرض واحدة، من جذر واحد، ومصير واحد.
لا فرق بين حضرمي وعدني، ولا بين مهري وأبيني، ولا بين لحجي وسقطري، ولا بين شبواني وضالعي، إلا بما يقدمه كل واحد لوطنه من عمل وإخلاص وأخلاق طيبة.
ما الذي يمنع أن يكون محافظ حضرموت من المهرة أو من عدن أو من أبين، إذا كان الأقدر على خدمتها؟
وما الذي يعيب أن يكون محافظ عدن من سقطرى أو حضرموت أو لحج، إذا كان صاحب رؤية وكفاءة ونزاهة؟
المحافظة ليست ملكًا خاصًا لأبنائها، بل مسؤولية وطنية تُسند للأجدر.
تثبيت المناصب على أساس أن ابن المحافظة أولى، ليس عدالة، بل تمييز مقنّع يفتح باب الفشل، ويغلق باب الدولة. فكم من مسؤول من أهل الدار أساء الإدارة وأهدر الحقوق، وكم من كفاءة أُقصيت فقط لأنها لا تنتمي جغرافيًا للمكان.
العنصرية تزرع الشك بين الناس، وتفكك النسيج الاجتماعي، وتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى صراع، والتنوع إلى لعنة بدل أن يكون مصدر قوة.
ولا يمكن لدولة أن تقوم على الفرز المناطقي، ولا لوطن أن ينهض بعقلية الإقصاء. الدولة التي نحلم بها هي دولة المواطنة المتساوية، دولة يشعر فيها كل إنسان أن هذا الوطن وطنه، وكل محافظة مسؤوليته، وكل نجاح يُحسب للجميع، وكل فشل يُحاسَب عليه المقصر أيًّا كان أصله.
فلننبذ العنصرية بوعي وشجاعة،
ولنؤمن أن الكفاءة هي الهوية الحقيقية للمسؤول،
وأن الأخلاق وحسن الأداء هما جواز العبور لخدمة الناس،
وأن هذه الأرض الطيبة لا تفرّق بين أبنائها…
نحن من وطن واحد، ولن ينهض إلا بنا جميعًا.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين – 2 فبراير 2026م