ليس كل أرضٍ تُشترى تُربح، ولا كل توسّع يُسمّى استثمارًا. في عالم الزراعة قد تخدع الأرقام، وقد تكون المساحات الواسعة فخًا قاتلًا إذا غابت عنها الحكمة والإدارة.
كم من فدانٍ واحد تفوّق إنتاجًا وربحًا على خمسة أفدنة، وكم من خمسة أفدنة مُحسَنة الإدارة تفوّقت على مئة فدان تُدار بعشوائية. القضية ليست كم تملك، بل كيف تُدير، وكيف تقرأ الأرض قبل أن تضع فيها أموالك.
التوسّع الأعمى أول أبواب الخسارة
عشرة أفدنة محسوبة بدقة قد تتحرك وتُنتج خلال شهرين أو أكثر قليلًا، بينما عشرون فدانًا بلا تخطيط تتحول إلى نزيف مالي بسبب تكاليف الري والصرف والعمالة والصيانة. هنا لا يعود الاستثمار ربحًا، بل عبئًا يضغط على صاحبه ويُثقِل كاهله.
الأخطر من ذلك أن تُشترى الأرض ثم تُباع بأقل من ثمنها، لا لشيء إلا لأن من دخلها لم يُحسن الحساب، ولم يفهم أن الزراعة مشروع طويل النفس لا صفقة سريعة. فالاستثمار الزراعي لا يُدار بالعاطفة، ولا بالشهرة، ولا بحجم المساحة، بل بالعقل والخبرة والصبر.
ما يبعث على الطمأنينة في أي مشروع زراعي أن يكون خلفه رجل أعمال واعٍ، لديه التزامات حقيقية ومشاريع قائمة ورؤية واضحة، لا مجرد شخص دخل المجال بدافع المغامرة أو برأس مال طارئ. فالأرض لا ترحم من يجهل قوانينها، ولا تُجامل من يُسيء إدارتها.
الخلاصة واضحة
الأرض طيبة وكريمة إن أكرمتها أكرمتك، ولم تخن يومًا صاحبها، لكن الجهل بها هو من يخون. وبناءً على ذلك، أروي لكم هذه القصة من مشاهداتي اليومية في دلتا أبين.
في كثير من مناطق دلتا أبين، وعلى أرضٍ تعرف الزراعة كما تعرف النخلة جذورها، بدأت قصتان في الوقت نفسه وبظروف متقاربة، لكن بنهايتين متناقضتين تمامًا.
القصة الأولى
المزارع عوض، مزارع بسيط، امتلك خمسة أفدنة فقط. لم يندفع، ولم يغره الحديث عن التوسع ولا كِبر المشروع الزراعي. جلس مع الأرض تحت شجرة السدر التي تتوسط الحقل، درس تربتها، عرف مصدر المياه، حسب تكلفة الري والصرف، اختار المحصول المناسب، وبدأ خطوة خطوة. لم يستدن، ولم يضغط على نفسه، وكان حاضرًا يوميًا في حقله ومعه زوجته وأولاده.
خلال موسم واحد بدأت الأرض تعطي، الإنتاج كان جيدًا، والمصروف محسوبًا، والعائد وإن لم يكن ضخمًا كان مستقرًا ومشجعًا. في الموسم التالي تحسّن الأداء، وبدأ الرجل يفكر في التوسع، لكن بعقل وحكمة لا بعاطفة.
القصة الثانية
في الجهة الأخرى من الدلتا كانت قصة مختلفة تمامًا.
مستثمر آخر دخل المجال الزراعي بثقة زائدة، وامتلك عشرين فدانًا دفعة واحدة. اعتقد أن المساحة وحدها كافية للنجاح، وأن الكثرة تغلب. لم يمنح نفسه وقتًا لدراسة التربة، ولا لحساب دقيق لتكاليف الري والصرف، واعتمد على عمالة مؤقتة وغير مستقرة، وإدارة غائبة.
مع أول موسم ظهرت المشاكل: تكاليف مرتفعة، مياه غير منتظمة، صرف سيئ، ومحصول أقل من المتوقع. ومع كل محاولة تصحيح كانت الخسارة تكبر. لم تمضِ فترة طويلة حتى وجد نفسه مضطرًا لبيع جزء من الأرض لتغطية التكاليف وتسديد الديون، ثم باع الباقي بأقل من سعر الشراء.
الدرس كان قاسيًا لكنه واضح.
في دلتا أبين، خمسة أفدنة أُديرت بعقل نجحت بنسبة 95%،
وعشرون فدانًا أُديرت بعشوائية خسرت بنسبة 100%.
القصة ليست استثناءً، بل نموذج يتكرر كثيرًا. وأنا أعرف أشخاصًا امتلكوا مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية في دلتا أبين، ولا تزال شاهدة على الفشل، وأصبحت أرضًا مواتًا غير صالحة للزراعة.
الأرض الزراعية لا تُجامل أحدًا، تعطي من يفهمها، وتُرهق من يستهين بها. فالزراعة ليست سباق مساحات، بل معركة إدارة وحكمة وصبر.
الخلاصة التي يعرفها مزارعو الدلتا جيدًا
ليس المهم كم تملك من الأرض،
المهم كيف تزرع، وكيف تُدير، ومتى تتوسع.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين