حين يتحول الاختلاف في الرأي إلى اقتتال، تصبح الحقيقة أول الضحايا، ويتحول الوطن من مساحة تنوع إلى ساحة نزف مفتوح. فالاختلاف السياسي والفكري أمر طبيعي وصحي، بل هو صفة المجتمعات الحية، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يُستثمر هذا الاختلاف لإشعال الصراع، ويُدفع به نحو العنف وسفك الدماء وتمزيق النسيج الاجتماعي.
وفي خضم هذا المشهد المؤلم، تبرز قضية الجنوب كقضية عادلة واضحة المعالم، لا يمكن إسقاطها أو تجاوزها مهما عظمت التضحيات أو طال أمد الصراع. الجنوب ليس فكرة عابرة، ولا مشروعًا طارئًا، بل دولة قائمة في التاريخ والجغرافيا، لها علمها وعملتها وحدودها ومكانتها السياسية وموقعها في الأمم المتحدة، وهذه حقائق لا يمكن محوها بالإنكار أو بالقوة.
إن الخلاف حول الرؤى السياسية يمكن فهمه ومناقشته، لكن الانزلاق إلى التناحر بسبب علم أو راية أو رمز وطني يعكس عمق الأزمة التي يعيشها اليمنيون شمالًا وجنوبًا. فإهانة أي علم لا تصنع نصرًا، ولا تفرض واقعًا، كما أن الرد بالإهانة لا يحقق عدلًا، بل يفتح أبوابًا جديدة للكراهية ويؤسس لدائرة لا تنتهي من الفعل وردة الفعل.
اليوم، يقف اليمنيون أمام مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار في سياسة الإنكار وما تجرّه من دماء ودمار، أو التحلي بالشجاعة السياسية والأخلاقية، والاعتراف بالواقع كما هو. والاعتراف بحق الجنوب في دولته ليس هزيمة لأحد، بل هو أقصر الطرق لحقن الدماء، وحماية الأرواح، وإنهاء عقود من الصراع العبثي.
فحين يحترم كل طرف راية بلاده وحدودها وقرار شعبها، يمكن أن يُبنى سلام حقيقي، لا سلام مؤقت قائم على القهر وفرض الأمر الواقع. لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُدار بالإقصاء، ولا تُبنى بالقوة، ولا تُحفظ بإلغاء الآخر. فالدم، شماليًا كان أم جنوبيًا، أغلى من كل الشعارات، والإنسان أقدس من أي خلاف سياسي.
ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الاستفزاز، ولا خطابات تعبئة فارغة، بل تهدئة النفوس، وتغليب صوت العقل، وفتح باب حوار صادق قائم على الاحترام المتبادل، لا على الوصاية أو الإنكار. فالتسامح لا يعني التنازل عن الحقوق، والحوار لا يعني التفريط بالثوابت، بل يعني البحث عن حل عادل يُنهي الصراع بدل أن يورّثه للأجيال.
إن السلام الحقيقي لا يولد من فوهات البنادق، بل من الاعتراف بالحقائق واحترام إرادة الشعوب. والجنوب سيبقى قضية عادلة مهما اشتدت العواصف، لأن القضايا العادلة لا تسقط… بل تنتصر حين ينتصر العقل. نسأل الله أن يجنب البلاد والعباد الفتن، وأن يلهم الجميع رشدهم وحكمة القرار، فاليمن شماله وجنوبه لم يعد يحتمل مزيدًا من الدم، والسلام يبدأ بخطوة واحدة صادقة: الاعتراف بالحق واحترام الآخر.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
10 يناير 2026