آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-08:53م
وثائقيات


قصة نصف قرن من الوفاء.. مدرسة شعب البارع.. من وحدة سكنية إلى مجمع تربوي شامخ

قصة نصف قرن من الوفاء..
 مدرسة شعب البارع.. من وحدة سكنية إلى مجمع تربوي شامخ
الخميس - 22 أكتوبر 2026 - 07:33 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

كتب/ طاهر حنش أحمد


جميلٌ جداً أن يكتب الإنسان عن ذكريات أيام عملٍ عاشها، والأجمل والأصدق، أن يزورها اليوم بعد ما يقارب خمسة عقود من الزمن، فيشاهد بعينيه واقع تلك المناطق، ويقرأ واقعها بمفهومه هو، لا بمفهوم الآخرين


شباب في ساحة الطابور

ما زلت أتذكر عام 1978م وأنا شاب في مقتبل العمر أقف وزملائي المعلمين خلف الطوابير الصباحية في ساحة مدرسة المنصورة - الرباط، نحجز المتأخرين عن تحية العلم الصباحية. وبعد التأكد من الطلاب عن سبب التأخر تأتي الإجابة البريئة التي هزتنا فيما بعد: "نحن بعيدين يا أستاذ".

إلا أن هذا العذر لم يشفع لهم آنذاك، ويتحصل كل طالب عقابه مع التأكيد عليه: "لا تتأخر مرة ثانية"..!


آه.. آه كم كان بعض المعلمين قساة في تعاملهم مع الطلاب المتأخرين عن الطابور، وخاصة أيام البرد الشديد.

وللاسف الشديد كان المعلمين لايعرفون حجم المسافات والعناء الذي يعانيه الطلاب الذي كان معظمهم من مناطق مكيل، ومفلح، وأدأم، وبينان، والخلوة، والزحاح، وأرطب، وخيران، وبيت الجماة، والسمسرة، والحيط، وبيت بن عراش، ودار الصلابة، وذي الشوحط، والذنبة، والمعزبة، والعرشة.


طريق ظُبّة.. ومعرفة الحقيقة

عجزت المنصورة في ذلك العام عن استيعاب ثلاث عزب للمعلمين، فتم توزيعنا على الوحدات السكنية، وكانت وحدة شعب البارع من نصيب عزبتنا، أبناء كلد وعددنا 8 معلمين. ورحب بنا مجلس الآباء أجمل ترحيب، وانتقل سكننا إلى مقر الوحدة السكنية التي أصبحت اليوم مجمعاً تربوياً. كنا نمشي يومياً عبر طريق ظُبّة، وبدأنا نتعرف على الطلاب ومناطق سكنهم. حينها فقد شعرنا بحجم الخطأ الذي كان يلاقيه الطلاب. فبدأنا نحاول إقناع بقية المعلمين بالبعد الذي يعانيه الطلاب مما بدأ التخفيف من العقوبة ووضع بعض الاعتبارات للطلاب البعيدين الذين كانت أعدادهم هائلة تتحرك إلى المنصورة، حتى جاءت خطوط الترحيل لتخفف عنهم العناء.


حين ضاقت المنصورة بما رحبت

مع كثرة الأعداد أصبحت المنصورة غير قادرة على الاستيعاب، فكان الحل هو فتح شعب دراسية في الوحدات السكنية في جميع مناطق الرباط: بينان، وشعب البارع، واللكمة، والوطح، والحمراء، وجبل السعدي، والقرية، والراحة، واللجم، وجبل لمطور، وذي جليد، والخضراء. وكانت شعب البارع مؤهلة بكل حق وحقيقة لتكون مدرسة لها قرى مغذية كبيرة نظراً للأعداد الهائلة التي كانت تأتي إلى المدرسة، وأكبر دليل على وضعيتها حالياً أنها تفوقت على كل الأماكن التي فُتحت في وقت واحد.


ميلاد المدرسة الرسمي

وفي عام 1996م تحقق الحلم، وأصبحت شعب البارع مدرسة مستقلة بذاتها فيها 125 طالب و 71 طالبة من الصف الأول إلى الرابع بعدد 7 معلمين تحت إدارة المربي الفاضل الأستاذ محسن علي ناصر.


نهضة البناء والتطور

في عام 2000م تم اعتماد 6 فصول من الأشغال العامة بمعونة أمريكية و7 فصول بجهود الأهالي. وهنا تجلت أصالة أبناء المنطقة حين يبنون مدرستهم بأيديهم.


الأهالي ركيزة صلبة

وهنا يبرز دور المجتمع المحلي الذي استطاع أن يجمع ويوفق بين المساهمة في إنجاز المبنى العملاق وبين تغطية العجز من المعلمين.

ولا يمكن أن نمر على تاريخ مدرسة شعب البارع دون أن نقف إجلالاً وتقديراً للدور المتميز والاستثنائي لأهالي منطقة شعب البارع.

فلقد كان لهم الدور الحاسم في تثبيت المدرسة حين تعثرت وترنحت مدارس أخرى. ثبتت شعب البارع بفضل وقفة أهلها، ولم يكن دعمهم كلاماً بل كان دعماً سخياً بالمال والجهد، فحين واجهت المدرسة مشكلة نقص المعلمين بادر الأهالي من حر مالهم إلى إبرام عقود مع معلمين متعاقدين من خارج المنطقة، وتحملوا رواتبهم ومصاريفهم، في صورة نادرة من صور الوفاء للعلم. والأهم من ذلك، أنهم بوقفتهم تلك ثبتوا صفوف التعليم الثانوي في المدرسة، وأصروا على ألا يرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى ثانوية المنصورة - الرباط. حيث قالوا كلمتهم "ثانويتنا في قريتنا، وأبناؤنا يدرسون بيننا"، وكان لهم ما أرادوا، فتحية إجلال لأهالي شعب البارع، فأنتم من جعل الوحدة السكنية مجمعاً تربوياً.


عودتي اليها موجهاً

وبحكم عملي في مكتب التربية رصد - قسم التوجيه - كنت على تواصل ونزول ميداني لكل المدارس، ومن بينها شعب البارع بحكم المعزة الخاصة. وكنت أقرأ في هذه المدرسة توسعاً وتطوراً بحكم الكثافة الطلابية، وكنت على يقين أنها ستكون في المقدمة.


الحلم أصبح مجمعاً تربوياً

واليوم بعد رحلة عمر أقف مذهولاً فخوراً:

أصبحت مدرسة شعب البارع اليوم مجمعاً تربوياً أساسياً وثانوياً مختلطاً شامخاً بعدد طلاب يقارب 500 طالب وطالبة - أساسي وثانوي


رسالة وفاء وانطباع

إلى طلابي وأهالي شعب البارع الأوفياء: ما زلت أذكر وجوهكم ونشاطكم وعلاقتنا بكم كأهل لا كطلاب. كنتم جيلاً من ذهب تحملتم التعب والمشي والبرد حباً في العلم. وانطباعي اليوم كمعلم عاش التجربتين:

عرفتها شاباً لا يعرف المسافات، وعدت إليها شيخاً موجهاً يعرف قيمة كل خطوة مشاها طالب. عدت إليها وكنت بالأمس أحاسب المتأخر، وعدت اليوم لأقبل رأس كل طالب يصل متأخراً لأنه قطع الجبال من أجل حرف.


ومما استوقفني اليوم الأربعاء تاريخ 21 اكتوبر 2026 م عند حضوري الطابور الصباحي في مدرسة شعب البارع عبارة (نحن بعيدين يا أستاذ) من طلاب متأخرين عن الطابور وهذا الذي هز مشاعري ودفعني الكتابه لهذا الموضوع ٠ لقد علمتني المنصوره أن التعليم ليس سبورة وطباشير، بل هو وفاء أهالي، وصبر طلاب، وإخلاص معلمين.

وها أنا اليوم بهذا العمر ومن موقع المسؤولية أعود إليكم زائراً لا موجهاً فقط، بل اخاً ومعلماً عاد إلى هذا المكان ليشاهد البذرة التي زرعتموها عام 1978م وأصبحت مجمعاً شامخاً. هذه هي شعب البارع.. قصة وفاء مكان، وحنين إنسان.