كتب/ فهد حنش أبو ماجد
لفت انتباهي مؤخراً ذلك التصعيد الإعلامي الهائج والحملة الشعواء التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية حول قضية الاعتداء على أحد الأطفال في عدن وهي جريمة مدانة بكل المقاييس الإنسانية والدينية والقانونية ولا يمكن لعاقل أن يبررها أو يدافع عنها أو يهون من بشاعتها.
غير أن ما أثار الاستغراب ليس الجريمة ذاتها فحسب بل الطريقة الانتقائية التي جرى تناولها وتضخيمها وتوظيفها سياسياً وإعلامياً. فثمة أصوات ومنصات تعاملت مع قضايا مماثلة وقعت في مناطق أخرى وتحديداً في الشمال بمنطق مختلف تماماً حيث كانت تردد حينها بأن الجريمة فردية ولا يجوز تعميمها أو تحويلها إلى مادة للتشهير والإثارة أو إلصاقها بقبيلة أو توظيفها سياسياً ضد أي طرف سياسي وهو موقف عقلاني وأخلاقي يُحترم ويُقدّر. لكن المفارقة المؤلمة أن ذات الأصوات والمنصات انقلبت فجأة عندما وقعت الجريمة في عدن فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها ورفعوا سقف التحريض وأطلقوا حملات التشهير وسخّروا منصاتهم الإعلامية وشبكاتهم الإلكترونية لتحويل المأساة إلى وقود للصراع السياسي وتصفية الحسابات.
وهنا تتجلى الازدواجية بأبشع صورها حين يصبح الموقف الأخلاقي تابعاً للهوية السياسية والجغرافية لا للمبادئ والقيم والأخلاق.
إن جريمة الاعتداء جريمة مكتملة الأركان لكن تحويلها إلى مادة للضجيج الإعلامي والتشهير العلني بالضحية وأسرته يمثل جريمة أخرى لا تقل فداحة وخطورة. فليس كل المجرمين يحملون أدوات الجريمة بأيديهم بل إن بعضهم يرتكب جرائمه عبر الشاشات والمنصات حين ينتهك خصوصية الضحايا ويهتك ستر الأسر ويحول الألم الإنساني إلى ابتزاز سياسي وإلى وسيلة للانتشار والإثارة وحصد التفاعل.
لقد كان بالإمكان إيصال الأدلة إلى الجهات الأمنية والقضائية المختصة ومتابعة القضية عبر الأطر القانونية وعبر منظمات وجمعيات حماية الأطفال دون تحويل طفل وأسرة كاملة إلى حديث المجالس ومنشورات المنصات ومادة للتداول بين الناس. فديننا الإسلامي الحنيف لم يأمر فقط بإقامة العدل بل أمر كذلك بالستر وصيانة الكرامة الإنسانية وحذر أشد التحذير من إشاعة الفاحشة والمتاجرة بها. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
إن العدالة الحقيقية لا تُقاس بحجم الضجيج الإعلامي بل بقدرتها على حماية الضحية وإنصاف المظلوم ومحاسبة الجاني دون انتهاك كرامة الإنسان أو استغلال مأساته. وإذا كانت هناك محاسبة عادلة فيجب أن تطال كل من تسبب بالأذى من ارتكب جريمة الاعتداء والابتزاز وإنزال به أشد عقوبة ومن نشر الفضيحة وروّجها وانتهك خصوصية طفل وأسرة كاملة وألحق بهم أذى نفسياً واجتماعياً لا يقل قسوة عن الجريمة ذاتها.
فالإنسانية لا تتجزأ والقيم لا تُفصّل على مقاس السياسة والستر ليس تبريراً للجريمة ولا حماية للمجرم بل حماية للمجتمع وصون لكرامة الضحايا من أن تتحول آلامهم إلى سوق للمزايدات والابتزاز السياسي والمتاجرة الرخيصة.
إن القضايا الأخلاقية يجب أن تُعالج بميزان العدالة والحكمة والضمير لا بعقلية الاستثمار السياسي وإشعال الفتن. فحين تُستخدم المآسي الإنسانية وقوداً للصراع تسقط الأقنعة ويظهر الإفلاس الأخلاقي بأوضح صوره.