كتب/أنيس اليوسفي
المؤسف حقًا أن البعض لم يعد يختلف مع الآخرين بأدب واحترام، بل أصبح الخلاف عندهم بابًا للطعن في النوايا، وتشويه المواقف، وتوزيع الاتهامات والتخوين، وكأنهم أوصياء على الناس والوطن. يختلف معك في الرأي فيجعلك خصمًا، ويخالفك في موقف فيحوّلك إلى متهم، وينسى أن الرجال تُعرف بمواقفها وتاريخها وأفعالها، لا بضجيج الكلمات ولا بحملات التحريض والإساءة.
إن احترام الناس وأقدارهم لا يكون بالمزايدات الفارغة، ولا بإشعال الفتن بين أبناء الوطن الواحد، فالوطن لا يُبنى بالكراهية، ولا تستقيم الأوطان بالأحقاد والتجريح والتشهير. الوطنية الحقيقية ليست شعارات تُرفع عند الحاجة، بل أخلاق وعدل وإنصاف، وقدرة على الاختلاف دون إسقاط أو تخوين أو انتقام.
لقد أصبح من المؤلم أن نرى بعض الأقلام والحسابات تسعى لتأجيج الخلافات ونشر التفرقة بين الناس، وكأن همّها الوحيد خلق العداوات وبث السموم في المجتمع، غير مدركين أن الكلمة قد تهدم ما تعجز عنه سنوات من البناء. فكم من فتنة بدأت بمنشور، وكم من قلوب تفرقت بسبب التحريض وسوء الظن.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى الحكمة، وإلى تغليب صوت العقل، ولمّ الشمل، واحترام التنوع في الآراء والمواقف، فليس كل من خالفك عدوًا، وليس كل اختلاف خيانة. الأوطان تمرض حين تتحول الخلافات إلى معارك شخصية، وحين يصبح التشويه والتخوين ثقافة يتداولها البعض بلا وعي ولا مسؤولية.
فلنرتقِ بأخلاقنا قبل كلماتنا، ولنتذكر أن ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا، وأن الوطن يحتاج إلى الصادقين المصلحين، لا إلى دعاة الفتنة والكراهية.
إلى كل من اعتاد على المزايدة والتشكيك دون معرفة الحقائق: ليس كل صوت مرتفع يحمل الحقيقة، وليس كل من يهاجم الآخرين يملك الحق. قبل أن تتحدثوا عن المخلصين، تعلّموا أن تعرفوا ماذا تقولون، وأن تزنوا كلماتكم بعقل وحكمة، فالكلمة مسؤولية وليست وسيلة للتجريح أو التقليل من جهود الآخرين.
الأوطان لا تُبنى بالصراخ، ولا بالأصوات النشاز التي تزرع الفرقة والكراهية، بل تُبنى بالعقول الواعية، والحكمة، وقول الحق، واحترام الرأي والرأي الآخر، والقدرة على الاختلاف دون إساءة. المخلصون للأوطان لا ينتظرون التصفيق، لكنهم أيضًا لا يستحقون حملات التشويه والإساءة والاتهامات الباطلة.
فلنرتقِ بحوارنا، ولنعطِ الكلمة قيمتها، فالأوطان تحتاج إلى الحكمة والعمل أكثر من الضجيج، وإلى الوعي أكثر من الجدل العقيم.
نسأل الله أن يصلح القلوب، ويهدي النفوس، ويجمع الناس على الخير والمحبة، ويحفظ أوطاننا من الفرقة والضغائن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.