غداً، العشرين من مايو من كل عام، يقف العالم احتراماً لكائنٍ صغير الحجم، عظيم الأثر، اسمه النحل. ذلك المخلوق الذي لا يملك ضجيجاً ولا ضوءاً ولا قوة ظاهرة، لكنه يحمل على جناحيه سر استمرار الحياة، ويكتب في كل بستان حكاية حب ووفاء وعطاء.
إن اليوم العالمي لنحل العسل والملقحات ليس مجرد مناسبة بيئية عابرة، بل رسالة إنسانية وزراعية عظيمة، تُذكّر العالم بأن الأمن الغذائي يبدأ من زهرة، وأن تلك الزهرة لا تثمر إلا حين يمرّ بها النحل، فيمنحها الحياة بصمت العاملين وإخلاص المخلصين.
فالنحل ليس مجرد منتجٍ للعسل، بل هو مهندس الطبيعة، وجندي الحقول، ورسول التوازن البيئي.
إنه الكائن الذي علّم البشرية معنى النظام والعمل الجماعي والانضباط، حتى أصبحت مملكة النحل مثالاً يُضرب في التعاون والإنتاج والإتقان.
في مملكة النحل لا مكان للفوضى…
كل نحلة تعرف دورها، وكل جناح يعمل من أجل الجماعة، وكل قطرة عسل هي ثمرة آلاف الرحلات بين الأزهار.
إنها مملكة تقوم على العمل والعطاء لا الأنانية، وعلى النظام لا الفوضى.
وما أجمل النحل حين يحوّل رحيق الأزهار إلى عسلٍ فيه شفاء للناس، وحين يحوّل الحقول الصامتة إلى مواسم عامرة بالخيرات.
فكل زهرة يزورها النحل تحمل وعداً بالثمار، وكل خلية نابضة بالحياة هي مصنع طبيعي للإنتاج والتوازن والجمال.
لقد أثبتت الدراسات الزراعية والبيئية أن النحل والملقحات الطبيعية تؤدي دوراً أساسياً في زيادة إنتاج المحاصيل وتحسين جودتها، كما تسهم في الحفاظ على التنوع الحيوي واستمرار النباتات البرية والمثمرة. ولذلك فإن اختفاء النحل يعني اختلالاً خطيراً في البيئة والزراعة والغذاء، بل وفي الحياة بشكل عام.
ومن هنا تأتي أهمية هذا اليوم العالمي، ليجدد الدعوة إلى حماية النحل من الأخطار التي تهدد وجوده، وفي مقدمتها الاستخدام العشوائي للمبيدات السامة، والتلوث البيئي، وقطع الأشجار، وتدهور المراعي الطبيعية، والتغيرات المناخية التي أثرت على مصادر الرحيق والغطاء النباتي.
إن حماية النحل ليست مسؤولية النحال وحده، بل مسؤولية الجميع:
المزارع حين يستخدم المبيد بوعي،
والمواطن حين يحافظ على الأشجار والزهور،
والمؤسسات حين تدعم الزراعة الآمنة والبيئة النظيفة،
والإعلام حين ينشر ثقافة الوعي بأهمية الملقحات.
تحية لكل نحّال يسهر على خلاياه، ويصبر على تقلبات المواسم، ويجوب الوديان والجبال بحثاً عن المرعى والرحيق.
تحية لأولئك الذين يصنعون من تعبهم عسلاً نقياً، ومن شغفهم رسالة حياة.
سلامٌ على النحل في يومه العالمي…
سلامٌ على أجنحته الصغيرة التي تحمل الخير للأرض والإنسان…
سلامٌ على أرجله التي تحمل حبوب اللقاح…
سلامٌ على مملكة لا تعرف الكسل، ولا تتوقف عن العطاء.
ومن أجمل ما يمكن أن يُقال عن النحل:
إذا أردت أن ترى معنى الإخلاص، فانظر إلى النحل في خلاياه.
وفي هذا اليوم العالمي، تبقى الرسالة الأجمل:
احموا النحل… تحموا الحياة.
م. عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
اليوم العالمي لنحل العسل