آخر تحديث :الثلاثاء-19 مايو 2026-11:03م
أخبار محلية


20% فقط معدل الرضاعة الطبيعية في اليمن.. وأطفال يواجهون الأمراض وسوء التغذية ..أمهات بين ضعف الوعي وكلفة الحليب الصناعي

20% فقط معدل الرضاعة الطبيعية في اليمن.. وأطفال يواجهون الأمراض وسوء التغذية ..أمهات بين ضعف الوعي وكلفة الحليب الصناعي
الثلاثاء - 19 مايو 2026 - 04:49 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

تقرير / خديجة الكاف

تواجه الطفولة في اليمن انتكاسة صحية صامتة، بعد أن كشفت المؤشرات الأخيرة عن تراجع مخيف في معدلات الرضاعة الطبيعية المطلقة لتسجل 20% فقط، وهي من أدنى النسب عالمياً. هذا التراجع الحاد يضع أطفال اليمن في مواجهة مباشرة مع أمراض الطفولة القاتلة وسوء التغذية، في وقت يُمثل فيه لبن الأم اللقاح الطبيعي الأول والبيئة المناعية المستدامة.

وأمام هذا المشهد القاتم، برزت الأصوات الرسمية والطبية للمطالبة بتفعيل قرار مجلس الوزراء رقم (18) لعام 2002م بشأن لائحة تشجيع وحماية الرضاعة الطبيعية، باعتباره أداة قانونية ملزمة لتجريم التسويق العشوائي لبدائل حليب الأم.

ومن أجل توعية العاملين في المرافق الصحية والأمهات، قمنا بفتح هذا الملف واستطلاع آراء مسؤولي وزارة الصحة، والأطباء الاختصاصيين، والأمهات.. وإليكم الحصيلة:

رحلة علاج شاقة

تروي أم محسن تجربتها بمرارة قائلة: "أنا أم لطفلين، الأول كان نموه ووزنه طبيعيين لاعتماده التام على الرضاعة الطبيعية. أما طفلي الثاني، فبسبب الإرهاق بعد الولادة تم وضعه في الحضانة، وكُتب له الحليب الصناعي منذ ساعاته الأولى. اليوم عمره سنة وستة أشهر، وهو يعاني باستمرار من الأمراض المعدية والسعال والزكام، ونموه ضعيف جداً. وعندما عرضته على طبيب أطفال، قال لي: كان يجب أن يرضع طبيعياً، والآن نمر برحلة علاج شاقة."

الرضاعة الطبيعية تحمي أطفالي

وعلى النقيض تماماً، تستعرض أم كلثوم نموذجاً ناجحاً للوعي المتوارث: "بفضل نصائح والدتي، أرضعت أطفالي الثلاثة رضاعة طبيعية مطلقة لمدة ستة أشهر كاملة، دون ماء أو حليب صناعي، وصحتهم اليوم ممتازة. الرضاعة الطبيعية لم تحمِ أطفالي فقط، بل ساعدت أيضاً على تباعد فترات الحمل لأكثر من سنتين بين كل طفل وآخر. أتمنى من كل أم الابتعاد عن البدائل التجارية في الأشهر الأولى."

أطباء يدعون لسياسات صديقة للأم العاملة

في الجانب الطبي، تشرح الدكتورة سوسن عمر فدعق، أخصائية الأطفال وحديثي الولادة واستشارية الرضاعة الطبيعية، المفهوم العلمي للرضاعة المطلقة، قائلة: "الرضاعة المطلقة تعني اعتماد الرضيع على لبن الأم فقط دون ماء أو سوائل إضافية، كالعسل أو الجلوكوز، التي قد تعرض المولود لخطر الأمراض. فلبن الأم ليس مجرد غذاء، بل نسيج حي غني بالأجسام المضادة وخلايا المناعة."

وأضافت أن الرضاعة الطبيعية تقلل من خطر الإصابة بسرطان الدم، وتحمي الأطفال الخدج من مرض القولون الناخر القاتل.

كما قدمت رؤية من خمسة محاور لتفعيل قرار مجلس الوزراء لعام 2002م، تشمل:

تعزيز التثقيف الصحي للأمهات داخل المرافق الصحية.

التأكيد على أهمية "الساعة الذهبية" بعد الولادة لبدء الرضاعة الطبيعية.

تجنب صرف الأدوية التي تقلل إدرار الحليب.

منع تواصل شركات الحليب الصناعي مع الأمهات والكوادر الطبية.

فرض عقوبات قانونية على المخالفين.

مطالب بتجريم التسويق داخل المستشفيات

من جانبها، أكدت الدكتورة دعاء الأهدل، مسؤولة الصحة والتغذية بمنظمة "هاد"، أن "الساعة الذهبية" تمنح الطفل مناعة طبيعية مهمة، مشيرة إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب التشريعات الرادعة لتسويق بدائل حليب الأم داخل المستشفيات.

وأضافت: "نعمل حالياً على تعميم مدونة سلوك بدائل لبن الأم كتشريع ملزم للكوادر الطبية، ونطالب بتجريم تسويق الحليب الصناعي داخل المستشفيات الحكومية والخاصة."

اللبن هو اللقاح الأول

بدوره، وصف الدكتور أسامة محمد علي محمد، أخصائي طب الأطفال وحديثي الولادة، لبأ الأم بأنه "اللقاح الطبيعي الأول" للطفل، لما يحتويه من بروتينات وعناصر مناعية مهمة.

وأشار إلى أن الرضاعة الطبيعية تمنح الأم فوائد صحية ونفسية واقتصادية، أبرزها:

تقليل خطر الإصابة بسرطان الثدي والمبيض والسكري.

تقليل التوتر وتعزيز الترابط العاطفي مع الطفل.

تخفيف الأعباء المالية الناتجة عن شراء الحليب الصناعي.

ودعا إلى تفعيل الرقابة على الأسواق لمنع التسويق غير القانوني لبدائل الحليب.

التغذية التكميلية بعد الشهر السادس

من جانبه، أوضح الدكتور محفوظ علي مقبل، مدير إدارة التغذية بوزارة الصحة، أن الطفل بعد الشهر السادس يحتاج إلى تغذية تكميلية متوازنة مع استمرار الرضاعة الطبيعية حتى عمر عامين.

وأكد أن التغذية السليمة المبكرة تقلل مستقبلاً من مخاطر السمنة والسكري والتقزم، مشدداً على أهمية دمج مبادئ حماية الرضاعة الطبيعية في البرامج الصحية والإنسانية.

جهود لتفعيل القرار الحكومي

أما الدكتور محمد مصطفى راجا منار، مدير عام صحة الأسرة بوزارة الصحة، فأكد أن الوزارة تعمل على تفعيل قرار مجلس الوزراء لعام 2002م عبر:

تشديد الرقابة على الإعلانات المضللة للحليب الصناعي.

توفير بيئة داعمة للأم العاملة.

تدريب الكوادر الصحية على تقديم مشورة حيادية بعيداً عن المصالح التجارية.

ختاماً

إن بقاء اليمن ضمن أدنى دول العالم في معدلات الرضاعة الطبيعية المطلقة ليس مجرد رقم إحصائي، بل مؤشر خطير يهدد صحة جيل كامل. ويرى مختصون أن إنقاذ أطفال اليمن يبدأ بتفعيل القوانين الرادعة، ومنع التسويق التجاري داخل المستشفيات، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الرضاعة الطبيعية باعتبارها خط الدفاع الأول لحماية الأطفال.