يقال دائمًا: من لا يحفظ ماضيه، لن يحفظ مستقبله. وهي ليست مجرد عبارة عادية تُقال في مجالس القات أو في باصات النقل الجماعي، بل قاعدة حياة ومبدأ ينبغي أن نتكئ عليه ونحن نقرأ حاضرنا ونرسم ملامح الغد. فالأمم التي تتنكر لماضيها تفقد هويتها، والشعوب التي تهدم ذاكرتها بأيديها تعيش غريبة فوق أرضها، مهما امتلكت من مظاهر الحداثة.
وللأسف الشديد، أصبحنا نرى في بلادنا أناسًا يتأففون من الماضي، ويضيقون ذرعًا بكل حديث عنه، حتى بات بعضهم يلعن الأمس بكل ما فيه: بيوت الماضي، وشوارع الماضي، ونظافة الماضي، وحكام الماضي، وكأن الماضي كان صفحة سوداء لا تستحق الذكر. والحقيقة أن من يقرأ ذلك الزمن بإنصاف، ويقارن بين الأمس واليوم، يدرك أن في الماضي جمالًا وهيبةً ونظامًا نفتقد الكثير منه اليوم.
وأنا هنا لا أتحدث عن زمن الأساطير، بل عن فترة مضت منذ أكثر من ستين سنة أو أكثر، تلك السنوات التي كانت فيها الحياة بسيطة، لكنها مليئة بالنظام والاحترام والطمأنينة. كانت الشوارع نظيفة، مزروعة بالأشجار والورود، وتمتد فيها المساحات الخضراء كبساط يبعث الراحة في النفوس. أمام كل بيت شجرة، وفي التقاطعات دوارات جميلة تتوسطها نوافير بأشكال مختلفة، وكأن المدينة قطعة فنية مرسومة بعناية.
كانت البلدية تُدار بعدد محدود من الموظفين والعمال، لكن كل واحد يعرف واجبه ويؤديه بإخلاص. وكان برنامج النظافة يوميًا ومنظمًا، فلا قمامة مرمية، ولا أكوام مخلفات، ولا أكياس بلاستيكية، ولا مرابط قات، ولا سلال نايلون تلوث المشهد العام. حتى الحيوانات لم تكن تعبث في الشوارع كما نرى اليوم، وكأن النظام كان يفرض احترامه على الجميع، إنسانًا كان أو حيوانًا.
وكان الناس يحترمون بعضهم البعض، ويحترمون المكان الذي يعيشون فيه. كانوا يعرفون أين تُرمى القمامة، وكيف نحافظ على نظافة الحي والشارع والبيت. كانت البساطة عنوان الحياة، لكنها بساطة راقية تحمل في داخلها أخلاقًا عظيمة.
وفي ذلك الزمن، كانت السلطة قوية، والنظام حاضرًا، والمحاكم بسيطة لكنها عادلة. كان القاضي ربما لم يكن يحمل شهادة جامعية، لكنه كان حكيمًا يعرف كيف يحتوي الخصوم ويطفئ نار الخلاف قبل أن تتحول إلى فتنة. كانت الحكمة تُقدَّم على كثرة القوانين، وكانت هيبة الدولة تُغني عن آلاف القرارات واللوائح.
أما الزراعة، فقد كانت قصة نجاح حقيقية. المزارع جميلة، وقنوات الري سليمة، والأرض تُدار وفق نظام واضح. كان هناك مرسوم سلطاني أشبه بدستور مصغر ينظم الزراعة واستصلاح الأراضي وتوزيعها على القادرين على العمل والإنتاج، وكانت هناك محاكم زراعية متخصصة للنظر في النزاعات والمخالفات الزراعية، في وقت أصبحنا اليوم نفتقد فيه حتى أبسط أشكال التنظيم.
وكان التعليم أيضًا يحمل روح الرسالة، لا روح الوظيفة. مدارس بسيطة، وإدارات متواضعة، ومعلمون ربما لم تتجاوز مؤهلات بعضهم المرحلة المتوسطة، لكنهم صنعوا أجيالًا من الأطباء والمهندسين والمعلمين الأكفاء. كانوا يزرعون القيم قبل المعلومات، ويبنون الإنسان قبل الشهادة.
أما الأمن، فكان نعمة يعيشها الناس دون ضجيج. لم نكن نسمع عن جرائم القتل كما نسمع اليوم، ولم تكن مشاهد الدم مألوفة إلا في الأفلام الأجنبية. وكانت العيادات الصحية الصغيرة، رغم بساطتها، تقوم بدورها الإنساني بكل إخلاص، حتى إن أدوات التعقيم كانت تُغلى على شُعلة الجاز، ومع ذلك كانت الصحة العامة أفضل بكثير مما نراه اليوم. ولا نسمع عن مثل هذه الأمراض الخطيرة: الجلطات، والفشل الكلوي، وأمراض الكبد، والسرطانات، وأمراض القلب. كان الطعام صحيًا رغم شُحّه… يا سلام على زمن الجدود والآباء، ما أروعك يا زمن الأجداد.
وفي الماضي، إذا أردت أرضًا زراعية، تُحدد الموقع والمساحة، وينزل معك المفتش الزراعي لتحديدها رسميًا، مقابل رسوم بسيطة تُعرف بـ«العُشر»، تُدفع لبيت المال، الذي كانت موارده تعود لتحسين الخدمات العامة للمواطنين، لا لتضخم المصالح الشخصية.
كنا لا نعرف ساعات الانطفاءات الطويلة للكهرباء، ولا حياة الانتظار والمعاناة اليومية. كانت إيرادات الدولة تنعكس على الناس خدماتٍ وتنظيمًا واستقرارًا، لا شعارات وخطبًا واستهلاكًا فارغًا.
إن الحديث عن الماضي ليس بكاءً على الأطلال، ولا هروبًا من الواقع، بل هو محاولة لاستعادة القيم الجميلة التي كانت تصنع الحياة. فالماضي لم يكن كاملًا، لكنه كان يحمل نظامًا وهيبةً واحترامًا وإنسانية نفتقدها اليوم.
ومن ينكر ماضيه أو يتنكر لأصله، إنما يقطع جذوره بيده. فالأمم العظيمة لا تخجل من ذاكرتها، بل تبني مستقبلها فوق أساساتها الصلبة.
هذا بعض من ماضينا الجميل… أما البقية فما زالت محفوظة في صندوق الذكريات… والباقي مُشفّر.
م. عبدالقادر السميطي
دلتا أبين