لا تَشْكُ لِلنَّاسِ جُرحًا أَنْتَ صَاحِبُهُ ... لا يُؤْلِمُ الجَرحُ إِلَّا مَنْ بِهِ ألَمُ
شَكْوَاكَ لِلنَّاسِ يَا ابنَ النَّاسِ مَنْقَصَةٌ ... وَمَنْ مِنَ النَّاسِ صَاحِ مَا بِهِ سَقَمُ
— الشاعر كريم العراقي
بهذه الكلمات العميقة يمكن وصف حال القطاع الزراعي في بلادنا اليوم؛ ذلك القطاع الذي كان يوماً العمود الفقري للاقتصاد ومصدر الخير والاستقرار قبل أن يتحول شيئاً فشيئاً إلى جرحٍ مفتوح ينزف بصمت بينما ينشغل الجميع بالنظر إلى النتائج دون معالجة الأسباب الحقيقية.
فالزراعة في اليمن لم تعد تواجه مشكلة عابرة أو أزمة موسمية بل أصبحت تعاني من تراجع خطير يهدد حاضرها ومستقبلها في ظل غياب الخطط الإستراتيجية وإهمال البحوث والإرشاد الزراعي وتراجع الاهتمام بالأرض والمزارع إلى جانب الزحف العمراني العشوائي الذي يلتهم يوماً بعد آخر أجمل وأخصب الأراضي الزراعية.
غول الإسمنت يلتهم الأمن الغذائي
لقد تحولت مساحات واسعة من الأراضي الخصبة في عدد من المحافظات إلى مخططات سكنية وكتل إسمنتية صامتة بعدما كانت تنتج مختلف أنواع المحاصيل التي شكّلت لعقود طويلة مصدر دخل وغذاء لآلاف الأسر. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ فعندما تُفقد الأرض الزراعية لا نخسر مجرد مساحة ترابية بل نخسر أمننا الغذائي ونفقد القدرة على الإنتاج ونفتح أبواب الاعتماد الكلي على الاستيراد الخارجي في وقت يفترض أن تكون فيه الزراعة أولوية وطنية قصوى.
وما يحدث اليوم يدعو للحسرة خصوصاً حين نستحضر تاريخ بعض المحافظات الزراعية العريقة مثل أبين التي كانت في يوم من الأيام واحدة من أهم المناطق الزراعية في اليمن والمنطقة؛ حيث كانت دلتا أبين وحدها تنتج ملايين الأرطال من القطن طويل التيلة؛ ذلك المحصول الإستراتيجي الذي اشتهرت به بلادنا لعقود طويلة وكان يمثل علامة فارقة في الاقتصاد الوطني قبل أن يتراجع تدريجياً حتى اختفى تماماً نتيجة غياب الدعم والتخطيط والرؤية الواضحة.
ولم يكن القطن وحده الضحية؛ فحتى الأشجار المثمرة بدأت تدخل دائرة التراجع والانهيار وأشجار الجوافة في أبين مثال صارخ على ذلك حيث باتت كثير من المزارع تعاني من الأمراض والآفات وضعف الإنتاج بعد أن كانت هذه الشجرة تمثل جزءاً من هوية المكان الزراعية.
بارقة أمل من لحج الخضيرة
وسط هذا الواقع المؤلم ما زالت هناك نماذج تبعث الأمل وتؤكد أن الأرض قادرة على النهوض إذا وُجد الاهتمام والتوعية والإرادة الحقيقية. فخلال زياراتنا الميدانية إلى مديرية مسيمير الحواشب وبعض مناطق تُبن بمحافظة لحج شاهدنا نماذج مشرفة من الإنتاج الزراعي خصوصاً في زراعة الجوافة والليمون والمانجو وغيرها من الأشجار المثمرة؛ حيث تجد الأطفال والشباب يعرضون منتجاتهم الزراعية على الطرقات بجودة عالية وأسعار منافسة في صورة تعكس ارتباط الإنسان بأرضه وتمسكه بالزراعة رغم التحديات.
غير أن هذه المناطق كغيرها ما زالت بحاجة ماسة إلى مزيد من التوعية والإرشاد الزراعي خصوصاً فيما يتعلق بالممارسات الزراعية الصحيحة والالتزام بالمسافات العلمية بين الأشجار؛ لأن الزراعة العشوائية تُسهم بشكل مباشر في انتشار الآفات الحشرية والأمراض النباتية التي تُضعف الإنتاج وتُرهق كاهل المزارعين.
تأهيل وتدريب.. نحو زراعة ذكية وحديثة
من هنا جاءت أهمية الدورة التدريبية التي نظمتها وزارة المياه والبيئة والتي تناولت موضوعات محورية تهم المزارع؛ أبرزها الممارسات الزراعية السليمة وتعاقب المحاصيل وتغذية النبات وإنتاج السماد العضوي (الكمبوست) والتغيرات المناخية والزراعة الذكية والري الحديث ومكافحة الآفات الزراعية.
وقد شارك في تقديم هذه المحاضرات نخبة من المهندسين الزراعيين أصحاب الخبرة والكفاءة؛ حيث شرفت بكوني ضمن الفريق التدريبي إلى جانب الزملاء المهندس الزراعي سالم الهمشلي والمهندس الدكتور لطفي عبد الوهاب والمهندس سامي النقيب؛ حيث لمسنا تفاعلاً كبيراً من المزارعين وحرصاً واضحاً على الاستفادة من المعلومات والخبرات المقدمة. وكانت لحظات الوداع في نهاية الدورة كافية لتؤكد أن المزارع اليمني ما زالت لديه الرغبة الصادقة في التعلم والتطوير متى ما وجد من يسانده ويقف إلى جانبه.
رؤية للمستقبل
إن مناطق زراعية واعدة مثل مديرية مسيمير الحواشب بحاجة فعلية اليوم إلى إنشاء وحدات إرشادية زراعية دائمة تتبع إدارات الزراعة لتكون حلقة وصل حقيقية بين المزارع والخبرة العلمية الحديثة خصوصاً في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.
الزراعة تحتاج إلى رؤية وطنية شاملة تحمي الأرض من العبث وتعيد الاعتبار للمزارع وتدعم الإنتاج المحلي؛ فما بين اختفاء القطن طويل التيلة وتراجع الأشجار المثمرة وزحف الإسمنت تبقى الحقيقة المؤلمة: أن الأرض حين تُهمَل تصمت طويلاً… لكنها لا تغفر أبداً لمن أهملها.
م. عبد القادر السميطي — دلتا أبين
ممثل الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة بمحافظة أبين