كتب/أحمد العمودي:
لم يعد مقبولًا أو منطقيًا أن تتحول أبواب المستشفيات والمراكز الطبية، الحكومية بشكل خاص، إلى نقاط انتظار للموت، يُترك عندها المرضى والمصابون يصارعون آلامهم ونزيفهم حتى تُستكمل الإجراءات، أو تُدفع الرسوم، أو يُنتظر حضور الطبيب المختص. إن ما يحدث في كثير من الحالات الطارئة يُعد انتهاكًا صارخًا لكل القيم الإنسانية والأخلاقية والقانونية، قبل أن يكون تقصيرًا طبيًا أو إداريًا.
هناك مرضى يصلون إلى أبواب المستشفيات وهم بين الحياة والموت، مصابون بحوادث مرورية، أو نزيف حاد، أو جلطات، أو أزمات تنفسية وقلبية، أو أطفال ونساء في حالات حرجة، فيُفاجأ ذووهم بعبارات قاتلة مثل: “ادفعوا أولًا، سجّلوا البيانات، الدكتور غير موجود، لا توجد إمكانيات، خذوه إلى مستشفى آخر”.
وفي كثير من الأحيان، تكون تلك الدقائق التي تُهدر كفيلة بإنهاء حياة إنسان كان بالإمكان إنقاذه لو تم التعامل معه بضمير إنساني ومسؤولية مهنية.
إن حق الإنسان في الحصول على الإسعافات الأولية والعلاج الطارئ حق أصيل، لا يجوز ربطه بالقدرة المالية أو بالإجراءات الإدارية أو بحجج نقص الإمكانيات، لأن إنقاذ الأرواح يجب أن يظل فوق كل الاعتبارات الأخرى.
ومن هنا، أصبح من الضروري والملح إصدار قانون واضح وصارم يُلزم كافة المستشفيات والمستوصفات والمراكز الطبية، الخاصة والحكومية، باستقبال جميع الحالات الطارئة والحرجة فور وصولها، والعمل على تقديم الإسعافات الأولية والتدخل الطبي العاجل دون أي تأخير، ودون اشتراط دفع أي رسوم مالية أو استكمال أي إجراءات تسجيل قبل إنقاذ حياة المريض.
كما نطالب بأن يتم تضمين هذا الالتزام، بشكل رسمي وأساسي، ضمن شروط منح وتجديد تراخيص عمل المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة، بحيث لا يُسمح لأي منشأة صحية بمزاولة عملها ما لم تلتزم أخلاقيًا وقانونيًا باستقبال الحالات الإسعافية والتعامل معها فورًا.
ونطالب أيضًا بفرض عقوبات صارمة ورادعة بحق أي مستشفى أو مركز طبي يرفض استقبال الحالات الحرجة، أو يتسبب في تأخير علاجها، سواء كان ذلك بالإهمال، أو بحجج إدارية أو مالية، أو بحجة غياب الطبيب المختص أو عدم توفر الإمكانيات. فالمؤسسات الصحية لا يمكن أن تتنصل من مسؤوليتها الإنسانية في أكثر اللحظات التي يكون فيها الإنسان بحاجة إلى العون والإنقاذ.
كما يجب إلزام الهيئات والمستشفيات الحكومية بتحمل مسؤولياتها الكاملة تجاه المواطنين، وعدم تحويل المرضى من مكان إلى آخر وهم في حالات حرجة، والعمل على توفير الحد الأدنى من الرعاية الطبية العاجلة إلى حين استقرار الحالة أو تحويلها بطريقة إنسانية وآمنة.
إن المستشفى ليس شركة تجارية هدفها الأول تحصيل الأموال، بل مؤسسة إنسانية قبل كل شيء، ورسالتها الأساسية حماية الأرواح والتخفيف من معاناة الناس. وأي مجتمع يفقد فيه الإنسان حقه في الإسعاف والعلاج العاجل هو مجتمع يحتاج إلى مراجعة إنسانية وقانونية شاملة.
لقد آن الأوان لأن تتحمل الجهات المختصة مسؤوليتها الكاملة، وأن يُوضع حد نهائي لكل أشكال الإهمال والتقصير والتعامل غير الإنساني مع الحالات الطارئة، لأن الأرواح التي تُفقد بسبب التأخير أو الرفض لا يمكن تعويضها، ولأن كرامة الإنسان وحقه في الحياة يجب أن يكونا فوق كل المصالح والإجراءات والاعتبارات.
إننا لا نطالب بشيء مستحيل، بل نطالب بحق إنساني بديهي: أن يُنقذ الإنسان أولًا… ثم تأتي كل الإجراءات بعد ذلك.